كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
اتفاقًا، والدليل على ذلك قبل الإجماع: الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] ، وقد أجمع المفسرون على دخول الجن في هذه الآية، وهو مدلول لفظها.
__________
واختلف: هل ينامون؟ وإليه ذهب الجمهور، وقال به الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وعليه فهل يدخلون مدخل الإنس؟ وهو قول الأكثر والأشهر والأكثر أدلة، زاد الحارث بن أسد المحاسبي: ونراهم في الجنة ولا يرونا عكس الدنيا، قال الضحاك: ويأكلون فيها ويشربون، وقال مجاهد: يلهمون التسبيح والتقديس فيجدون فيه ما يجده الإنس من اللذة أو يكونون في ربض الجنة أو العراف أو الوقف أقوال، واستدل الإمام مالك على أن لهم الثواب وعليهم العقاب بقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ، ثم قال: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، والعذاب للإنس والجن فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين، ومن شأن المؤمنين أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب، واستدل ابن وهب بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} ، وابن عبد الحكم وغيره بقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} بعد قوله: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} ، وذهب أبو حنيفة وليث بن أبي سليم أن ثواب الجن أن يجاروا من النار ثم يكونوا أترابًا، واحتجا بقوله تعالى: {وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ، وقوله: {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} ، قالا: فلم يذكر في الآيتين ثوابا غير النجاة من العذاب، وأجيب بأن الثواب مسكوت عنه وأن ذلك من قول الجن، فيجوز أنهم لم يطلعوا على ذلك وخفي عليهم ما أعد الله لهم من الثواب.
وروى ابن مردويه وأبو الشيخ وابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي والديلمي بإسناد فيه ضعف عن أبي الدرداء مرفوعًا: "خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب" "اتفاقًا" أي: إجماعًا بدليل قوله: "والدليل على ذلك قبل الإجماع" المعلوم من الدين بالضرورة "الكتاب والسنة" أما الكتاب، فقد "قال الله تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} منذرًا أو إنذارًا كالتكبير بمعنى الإنكار، "وقد أجمع المفسرون على دخول الجن في هذه الآية" ولا يقدح فيه القول بأن المراد الناس فقط؛ لأن كل واحد منهم من حيث اشتماله على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يعلم بها الصانع كما يعلم فيه عالم على حاله، ولذا أمر بالنظر إلى الأنفس في الآفاق، فقيل: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} أما الشذوذ فلم يعتد به حاكى الإجماع أو أن قائله ليس من المفسرين، "وهو مدلول لفظها" بناء على أن العالمين اسم جمع لمن يعقل خاصة، وهم الملائكة والثقلان لا جمع له؛ لأن العالم اسم لما سوى الله فلو كان جمعًا له للزم أن معنى