كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

وأما السنة، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضلت على الأنبياء بست" فذكر منها، "وأرسلت إلى الخلق كافة" فإنه يشمل الجن والإنس، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز. والكلام فيه كالكلام في آية الفرقان.
فإن قلت: إن قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 58] ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] ظاهر في اختصاص رسالته عليه السلام بالإنس، واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر.
فالجواب: إن هذا إنما يتمشى على مذهب الدقاق.
__________
جنتان ولذا قيل: من الجن مقربون وأبرار كالإنس.
"وأما السنة" قسيم لمقدر كما مر، "ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضلت على الأنبياء بست" من الخصال وليس المراد الحصر، لأنه فضل بأكثر بل أخبر بما أوحي إليه أولا ثم أخبر بالباقي؛ كما مر بسطه. "فذكر" الحديث المتقدم لفظه في المتن أول الخصائص، فلا ننقله من غيره.
منها: "وأرسلت إلى الخلق كافة" إرساله عامة محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، وهذا أصرح الروايات وأشملها، "فإنه يشمل الجن والإنس" بل والملائكة كما يأتي، "وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل، فلا يجوز" لأنه تحكم، "والكلام فيه كالكلام في آية الفرقان" المذكورة أولا إذ العالمين والخلق كل منهما عام، "فإن قلت: إن قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} حال من إليكم والخلق كل منهما عام، "وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} إلا إرساله عامة لهم من الكف؛ فإنها إذا لحقتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد أو إلا جامعًا لهم في الإبلاغ فهو حال من الكاف والتاء للمبالغة، ولا يجوز جعلها حالا من الناس على المختار، قاله البيضاوي. "ظاهر" ما ذكر من الآيتين ولذا لم يقل ظاهر إن "في اختصاص رسالته عليه السلام بالإنس" لأن الخطاب لهم، "واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر" فهل يخالف الآيات والأحاديث الدالة على بعثه إلى الجن؟ "فالجواب: إن هذا" السؤال "إنما يتمشى على مذهب" الأستاذ أبي علي الحسن بن علي النيسابوري "الدقاق" إمام عصره برع في الفقه والأصول والعربية والتصوف، قال الغزالي: كان زاهد زمانه وعالم أوانه له كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة، قيل له: لم زهدت في الدنيا؛ قال: لما زهدت في أكثرها أنفت عن الرغبة في أقلها، مات سنة خمس أو ست وأربعمائة:

الصفحة 241