كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
لكن لم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك في هذه الملة. وإنما محل الخلاف في ذلك في الملل المتقدمة خاصة، وأما في هذه الملة فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو المرسل إليهم وإلى غيرهم، ولم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجن منهم مطلقًا، ولا ينبغي أن ينسب إليه ما يخالف الإجماع، على أن الأكثرين قالوا: لم تكن الرسل إلا من الإنس، ولم يكن من الجن قط رسول، لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك. ونظيره قوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] ، وهما يخرجان من الملح دون العذب، وقيل الرسل من الجن رسل الرسل من بني آدم إليهم لا رسل الله، لقوله تعالى: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29] .
__________
قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} الآية؛ "لكن لم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك في هذه الملة" المحمدية، "وإنما محل الخلاف في ذلك في الملل المتقدمة خاصة, وأما في هذه الملة فنبينا صلى الله عليه وسلم هو المرسل إليهم وإلى غيرهم" إجماعًا حكاه ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما: "ولم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجن منهم مطلقًا" أي: في الأمم السابقة وهذه الأمة بدليل قوله: "ولا ينبغي أن ينسب إليه ما يخالف الإجماع" ويحتمل أن معنى الإطلاق لا بأنفسهم ولا عن أحد من البشر، فهو مقابل قوله الآتي، وقيل: الرسل من الجن وفيه بعد "على أن الأكثرين قالوا: لم تكن الرسل إلا من الإنس" خاصة، "ولم يكن من الجن رسول قط لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك" من باب الحكم على المجموع فلا يستلزم الحكم على الجميع، "ونظيره قوله: {يَخْرُجُ} بالبناء للفاعل والمفعول {مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} ، وهما" إنما "يخرجان من الملح دون العذب" على الصحيح، وقول الجمهور: خلافًا لقوم أنه يخرج من العذب أيضًا، قال ابن عطية: وقد رد الناس هذا القول لأن الحسن يكذبه ووجهت آية {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} أيضًا بأنه لما كان النداء لهما معًا والتوبيخ جرى الخطاب عليهما على سبيل التجوز المعهود في كلام العرب تغليبًا للإنس لشرفهم وتأوله الفراء على حذف مضاف، أي: من أحدكم؛ كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} ، أي: من أحدهما وهو الملح؛ وكقوله: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} ، أي: في إحداهن وهي سماء الدنيا، و {يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} أراد بالذكر التكبير وبالأيام العشر، أي: أحد أيام العشر وهو يوم النحر.
"وقيل: الرسل من الجن رسل الرسل من بني آدم إليهم" فهم رسل الله بواسطة إذ هم رسل رسله، "لا رسل الله" بلا واسطة؛ "لقوله تعالى: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} وهذا