كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] ولا نزاع أن المراد من العبد ها هنا محمد عليه الصلاة والسلام، والعالم هو ما سوى الله تعالى، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، وبطل بذلك قول من قال: إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض، لأن لفظ "العالمين" يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى الخلق.
ولو قيل لمدعي "خروج الملائكة من هذا العموم" أقم الدليل عليه ربما عجز عنه، فإنه يحتمل أن يكون من الملائكة من أنذره صلى الله عليه وسلم إما ليلة الإسراء وإما غيرها. لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شيء خاص أن يكون.
__________
بالطاعات العملية؛ كما قال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} ، وإن لم يكونوا مكلفين بالوحدانية لظهورهم لهم فتكليفهم بها تحصيل للحاصل ودليل رجحان هذا القول. ما "قال تعالى: {تَبَارَكَ} تعالى: {الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} مخوفًا من عذاب الله، "ولا نزاع أن المراد من العبد ها هنا محمد عليه الصلاة والسلام" إذ الإضافة عهدية وجاء استعماله بهذا اللفظ فيه: أسرى بعبده أنزل على عبده الكتاب، واشتهر حتى صار كالعلم المخصوص به صلى الله عليه وسلم فهو دفع لتجويز أن المراد غيره، "والعالم" بفتح اللام والرفع استئناف "هو ما سوى الله" وليس بالخفض عطفًا على العبد؛ لأنه يكون التقدير ولا نزاع في أن المراد من العالم ما سواه "تعالى" مع أن فيه النزاع، قال المجد: العالم الخلق كله أو ما حواه بطن الفلك، وفي المصباح: العالم الخلق، وقيل: مختص بمن يعقل؛ "فيتناول جميع المكلفين" على أنه الخلق كله "من الجن والإنس والملائكة" وعلى أنه اسم للعاقل فالمكلفون مفهومه والتناول فيه باعتبار كل فرد أو نوع، "وبطل بذلك" أي: شمول الآية لجميع المكلفين "قول من قال: إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض" لمخالفة التخصيص لصريح الآية، "لأن لفظ العالمين يتناول جميع المخلوقات" توجيه للإبطال، "فتدل الآية على أنه رسول إلى الخلق" كلهم ومنهم الملائكة فثبت المطلوب. "ولو قيل لمدعي خروج الملائكة من هذا العموم: أقم الدليل عليه" لأن تخصيص العام لا بد له من دليل، "ربما عجز عنه" فإن اعتل بأنه قال نذيرًا فيخرج الملائكة لعصمتهم، ولأنه لم ينذرهم لم تقبل علته، "فإنه يحمل أن يكون من الملائكة من أنذره صلى الله عليه وسلم إما ليلة الإسراء وإما غيرها" وإذا احتمل ذلك بطل تخصيصها بغير الملائكة إذ لا يثبت إلا بدليل، وظاهر الآية شمولها لهم وهو كاف في الاستدلال إذ ليس كل احتمال يقدح فيه بل إنما يقدح الاحتمال القوي، وكذا لا يلزم من العصمة عدم الإنذار ومن يقل منهم إني إله فقد أنذرهم مع العصمة، "لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شيء خاص أن يكون

الصفحة 246