كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

بالشريعة كلها.
وإذا قلنا إن الملائكة هم مؤمنوا الجن السماوية، فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذي قام الإجماع عليه، لزم عموم الرسالة لهم، لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ.
والجمهور: على أن "العالمين" في آية الفرقان عام مخصوص بالإنس والجن
__________
بالشريعة كلها" إذ لا تتأتى كلها فيهم ومما يدل على شمول الآية للملائكة قوله تعالى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} ، قال السيوطي: لم أقف على إنذار في القرآن للملائكة سوى هذه الآية، والحكمة في ذلك واضحة؛ لأن غالب المعاصي راجعة إلى البطن والفرج وذلك ممتنع عليهم من حيث الخلقة فاستغنى عن إنذارهم فيه.
"وإذا قلنا: إن الملائكة هم مؤمنوا الجن السماوية" كما ذهب إليه من زعم أن العقلاء الناطقين فريقان إنس وجان، وكل فريق أخيار وأشرار، فأخيار الإنس هم الأبرار منهم رسل وغير رسل، وأشرارهم الفجار كفار وغير كفار، وأخيار الجن هم الملائكة منهم رسل وغير رسل، وأشرارهم الشياطين، واستدل من قال الملائكة هم خيار الجن، بقوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} ، والمراد قول الكفار: الملائكة بنات الله تعالى عن ذلك، فدل على أن الملائكة من الجن، وبقوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} ، فلو كانت الملائكة صنفًا ثالثًا لما ترك التمدح بالقدرة على أشرف خلقه وذكر ما دونه، ورد بأن هذه الآية لبيان ما ركبه من خلق متقدم فلم تدخل الملائكة فيه لأنهم مخترعون، قال تعالى لهم كونوا فكانوا؛ كما قال للأصل الذي خلق منه الإنس والجن وهو التراب والماء والنار والهواء: {كُنْ} فكان، فالملائكة في الاختراع كأصول الإنس والجن لا كأعيانهم، فلذا لم يذكروا معهم كما في الحبائك. "فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذي قام الإجماع عليه" أي: عموم رسالته للجن بأن يقال للملائكة مؤمنو الجن السماوية ورسالته إلى الجن مجمع عليها، "لزم عموم الرسالة" لهم؛ "لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ" لا اعتداد به؛ لقيام الأدلة على خلافه، ومن أصرحها قوله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". رواه مسلم. قال البيهقي: ففي فصله بينهما دليل على أنه نور آخر غير نور النار، انتهى.
"والجمهور على أن العالمين في آية الفرقان عام مخصوص بالإنس والجن" فيخرج الملائكة، وهذا من حين الاستدراك الذي قبله، ويمكن أن مراد الجمهور أنها مخصوصة بهما من حيث عمومها لجميع الأحكام من أمر ونهي، فلا ينافي أن إرساله للملائكة لأمر خاص؛ كما

الصفحة 247