كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

كنداء بعضكم بعضًا باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت.
__________
المزمل والمدثر باسم من أسمائه يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان متلبسًا بها حالة الخطاب، ملاطفة على عادة العرب؛ كقوله صلى الله عليه وسلم لعلي: "قم يا أبا تراب"، وقوله لحذيفة: "قم يا نومان"، لا على القول بأنهما من أسمائه لإشكاله، اللهم إلا أن يكون لم يرد بغير الأسماء ما يراد به مجرد الذات الشريفة، وأراد بغير الذات ما يراد به الذات مع صفة قائمة بها، ومنه المزمل والمدثر، ثم لا يخفى أن الخطاب نداء، فخرج به ذكره بلا داء من محمد رسول الله، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} ، {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} ، {مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} , {وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} ؛ لأنه للتعريف بأنه الذي أخذ الله عهده على الأنبياء بالإيمان به، ولو لم يسمه لم يعرفوه.
وأما قول الله سبحانه يوم القيامة: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع إلى آخره، فتنويه بذكر اسمه الدال على الصفة التي يحمده بها جميع الخلائق، فانظر إلى هذا التعظيم يناديه في كل مقام بأشرف تعظيم يناسب ذلك المقام، ففي الدنيا بالنبوة والرسالة ليشهد له بهما، وفي الآخرة لما تحققت الحقائق، ناداه باسمه لما اشتمل عليه من المعنى المناسب لذلك اليوم، وليفجأه سبحانه بما يدل على صفة يحمده بها الخلق، ليستدل بالنداء بها على قبول شفاعته، ثم عقب ذلك بقوله: قل تسمع، وسل تعط فهو تكريم بعد تكريم، وتعظيم بعد تعظيم.
زاد في الأنموذج: وخاطبه بألطف مما خاطب به الأنبياء، أي كقوله لداود: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الآية، وقال للمصطفى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} تنويهًا له على ذلك بعد الإقسام عليه، وقال موسى: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} ، وقال عن نبينا: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية، فكنى عن خروجه وهجرته بأحسن العبارات، ولم يذكره بالفرار الذي فيه نوع غضاضة.
"ومنها: أنه حرم على الأمة نداءه باسمه" في كتابه العزيز "قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} الآية، أي: لا تجعلوا دعاءه وتسميته" فهو من إضافة المصدر لمفعوله، أي: لا تجعلوا دعاءكم إياه "كنداء" تفسير لدعاء "بعضكم بعضًا" بخطابه "باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات" بجرهما عطفًا على اسمه، ذكرهما لتمام التشبيه المستفاد من الآية، لا بالرفع على نداؤه لذكره حكمهما بعد، ولأنه من تمام تفسير الآية بقوله: "ولكن قولوا يا رسول الله، يا نبي الله مع التوقير" أي التعظيم "والتواضع" التذلل، "وخفض الصوت" لحرمة رفعه عليه والظرف، أي: بينكم متعلق بتجعلوا، لا حال من الرسول لأنه يوهم نداؤه باسمه بعد وفاته، مع أن الحرمة ثابتة مطلقًا.

الصفحة 254