كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

وقيل: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة.
ومنها أنه حبيب الله، وجمع له بين المحبة والخلة، وسيأتي تحقيق ذلك وما فيه من المباحث في آخر المقصد السابع، إن شاء الله تعالى.
__________
"وقيل" المصدر مضاف إلى فاعله، أي: "لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا" بظنكم مساواته "في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة" والرجوع بلا إذن فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، قال تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} الآية، والرجوع بلا إذن حرام؛ كما قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} الآية، فالمعنى: لا تظنوا أنه مثلكم فتقيسوا، إذ القياس إلحاق فرع بآخر، لظن القائس اتحاد الجامع، ولولا ملاحظة هذا لورد أن القيام ليس من معنى الجعل.
زاد البيضاوي: أو لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فلا تنالوا بسخطه، فإن دعاءه موجب، أي: لحصول ما دعا به أو لا تجعلوا دعاءه ربه كدعاء صغيركم كبيركم، يجيبه مرة ويرده أخرى، فإن دعاءه مستجاب، انتهى، ومعناه عليهما، أي: لا تظنوا، أو تعتقدوا هذا، وكره الشافعي أن يقال في حقه الرسول لأنه ليس فيه من التعظيم، ما في الإضافة.
قال الحافظ: وعلى هذا فلا ينادى بكنيته، قال تلميذه الشيخ زكريا: وهو ممنوع، إذ الكية تعظيم باتفاق، ولذا احتيج للجواب عن تكنية عبد العزى في {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} الآية، مع أنه لا يستحق الكنية، لأنها تعظيم، فالأوجه جواز ندائه بكنيته، وإن كان نداؤه بوصفه أعظم، وتعقب بأن مقتضى آية النور المذكورة أنه ينادى بكنيته لأنهم كانوا يدعون بعضهم بعضًا بها، والحافظ لم يعلل الحكمة بترك التعظيم حتى يتوجه عليه ما قاله تلميذه.
"ومنها: أنه حبيب الله" قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} الآية، فإذا كان متابعوه أحباءه، فنفسه أولى، وروى البيهقي عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اتخذ الله إبراهيم خليلا، وموسى نجيًا واتخذني حبيبًا"، ثم قال: "وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي".
"وجمع له بين المحبة والخلة" قيل: هما سواء، وقيل: الخلة أرفع، والأكثر على أن المحبة أعلى، "وسيأتي تحقيق ذلك وما فيه من المباحث في آخر المقصد السابع إن شاء الله تعالى" في نحو ورقة.
وقد روى أبو يعلى في حديث المعراج، فقال له ربه: إني اتخذتك خليلًا وحبيبًا، وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا".

الصفحة 255