كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

وإنما قال ذلك إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدثًا بنعمة الله عنده، وإعلامًا لأمته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: "ولا فخر" أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها.
ومنها أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
__________
العرصات مقامات لأهل الخير والشر، نصب في كل مقام لكل متبوع لواء يعرف به قدره، وأعلى مقامات الخير مقامات الحمد، فلما كان أعظم الخلائق أعطي أعظم الألوية، وهو لواء الحمد ليأوي إليه الأولون والآخرون، فهو حقيقي وعند الله علم حقيقته.
وأما ما روي من صفته فموضوع بين الوضع، كما أفاده المصنف في المقصد الأخير، فلا وجه لعدول الطيبي ونحوه عن الحقيقة، وحمله على انفراده بالحمد، وشهرته به على رءوس الخلائق، وبقية هذا الحديث عند الترمذي ومن معه: "وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر"، وإنما قال ذلك" كما قال ابن الأثير في النهاية: "إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد وتحدثًا بنعمة الله عنده" امتثالا لقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} الآية، "إعلامًا لأمته" فهو من البيان الذي يجب عليه تبليغه إليهم؛ "ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه" بفتح الجيم: ما يتسبب عن الشيء فهو تفسير لحسبه، والمعنى: ليكون على قدر ما علموه من فضله؛ بأن يكون إيمانًا تامًا لا شبهة فيه، لأنهم حيث علموا كمال فضله، استحق أن يعظموه ويعتقدوا فيه الكمال اللائق بمن قام به هذا الفضل، "ولهذا أتبعه بقوله: "ولا فخر"، أي: إن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله لم أنلها من قبل" بكسر، ففتح، أي: جهة "نفسي ولا بلغتها بقوتي" إذ ليست في طوق البشر، "فليس لي أن أفتخر بها" وإنما أفتخر بمن أعطانيها، وأما خبر: "لا تفضلوا بين الأنبياء" فمعناه تفضيل مفاخرة، وهو ادعاء العظم والمباهاة، أو في نفس النبوة، فلا تفاضل فيها. وإنما التفضيل بنحو الخصائص، ولا بد من اعتقاده: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، وقيل غير ذلك.
"ومنها: أنه غفر له ما تقدم من ذنبه" أنه لو كان كما قاله ابن عباس: أي أنه على سبيل الفرض والتقدير؛ لأنه كغيره من الأنبياء معصومون حتى من الصغائر قبل النبوة، ولو سهوًا على الأصح لكرامتهم على الله، خلافًا للأكثر في تجويز وقوع الصغائر منهم سهوًا إلا الدالة على خسة كتطفيف، وينبهون عليها، واحتجوا بظواهر، قالوا بها: أفضت بهم إلى حرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم، كما بسطه عياض في الشفاء، "وما تأخر" لا يشكل بأن الغفر الستر،

الصفحة 258