كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
والبزار من حديث ابن عباس.
ومنها أنه لا يجوز عليه الخطأ، كما ذكره ابن أبي هريرة والماوردي: وذكره الحجازي في مختصر الروضة.
__________
الملائكة"، قالوا: وإياك؟ قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" ومعلوم عصمة الملائكة وإيمانهم، فإنما المراد الإخبار بمصاحبة الملك والجني لكل أحد، فالجني يغوي بخلاف الملك، فقول بعض إسلام قرينه من الملائكة والشياطين لا معنى له بالنسبة للملائكة، ولا دلالة في الحديث عليه، اللهم إلا أن يريد بإسلام ملكه انقياده التام له، وفيه ما فيه، "والبزار من حديث ابن عباس" رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين، كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم"، قال: ونسيت الأخرى، فحديث ابن عباس نص في إيمانه.
وأما حديث ابن مسعود فروي بفتح الميم وضمها، أي: فأسلم أنا من فتنته وكيده، وصحيح الخطابي رواية الرفع، ورجح عياض والنووي الفتح لقوله: "فلا يأمرني إلا بخير".
قال الدميري: وهو المختار، والإجماع على عصمته من الشيطان، وإنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين، ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان، انتهى.
وقال غيره: اعترضت رواية بالضم؛ بأنه تعوذ منه بقوله: وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، أي يضرعني ويلعب بي، ويفسد ديني أو عقلي عند الموت؛ بنزعاته التي تزل بها الأقدام وتصرع العقول، وقد يستولي على الإنسان حينئذ فيضله، أو يمنعه التوبة، أو يعوقه عن الخروج عن مظلمة؛ أو يؤيسه من الرحمة، أو يكره له الموت فيختم له بسوء، والعياذ بالله تعالى، وأجيب بأنه إنما قاله تعليمًا لأمته صلى الله عليه وسلم، فإن شيطانه أسلم، ولا تسلط له ولا لغيره بحال، بل سائر الأنبياء لا تسلط لشياطينهم عليهم وإن لم يسلموا.
"ومنها: أنه لا يجوز عليه الخطأ" في اجتهاده، "كما ذكره ابن أبي هريرة، والماوردي، وذكره الحجازي في مختصر الروضة" لأنه لا نبي بعده يستدرك خطأه، فلذا عصم من بينهم، كذا في الشامية، وقال ابن السبكي: الصواب أن اجتهاده لا يخطئ تنزيهًا لمنصب النبوة عن الخطأ في الاجتهاد ومقتضى هذا التعميم، ثم هذا مبني على الصحيح عند الأصوليين من جواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم ووقوعه لقوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} الآية، {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} ، فالعتاب لا يكون فيما صدر عن وحي، وقيل: يمتنع اجتهاده لقدرته على اليقين بانتظار الوحي، ورد بأن إنزاله ليس في قدرته، وثالثها، الجواز في الآراء والحروب فقط، والمنع في غيرها جمعًا بين الأدلة.