كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
فإن الشيطان لا يتمثل به.
وفي رواية مسلم: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"، أو قال: "فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي".
__________
عصمة صورته من أن يظهر بها شيطان، وقال عياض: لم يختلف العلماء في جواز صحة رؤيا الله في النوم، وإن رؤي علة صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام، لتحقق أن المرئي غير ذات الله، إذ لا يجوز عليه التجسم، ولا اختلاف الحالات رؤيا، بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فكانت رؤياه تعالى في النوم من باب التمثيل والتخييل.
وقال ابن العربي: رؤيا الله في النوم أوهام وخواطر في القلب، لا تليق به الحقيقة، ويتعالى عنها، وهي دلالات للرأي على أمر كان أو يكون كسائر المرئيات، وقال غيره: رؤياه تعالى منامًا حق وصدق، لا كذب فيها في قول ولا فعل، "فإن الشيطان لا يتمثل به" كما أخرج أحمد والبخاري والترمذي عن أنس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي".
"وفي رواية مسلم" من حديث أبي هريرة: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" بفتح القاف، رؤية خاصة بصفة القرب منه.
قال الدماميني: وهذه بشارة لرائيه بالموت مسلمًا؛ لأن لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة، باعتبار القرب منه إلا من تحقق موته على الإسلام.
وقال شيخنا: أي: فسيراني في اليقظة على الصورة التي رآني عليها في المنام، وذلك يدل على أن من رآه في المنام كانت رؤياه صادقة، "أو قال" شك من الراوي: "فكأنما رآني في اليقظة".
قال الشيخ أكمل الدين: ومعناه غير الأول لأنه تشبيه، وهو صحيح؛ لأنه ما رآه في النوم مثالي، وما يرى في عالم الحس حسي، فهو تشبيه خيالي بحسي، انتهى.
"لا يتمثل الشيطان بي" هذا كالتتميم للمعنى، والتعليل للحكم، أي: لا يحصل للشيطان مثال صورتي، ولا يتشبه بي، فكما منعه الله أن يتصور بصورته في اليقظة، منعه ذلك في النوم لئلا يشتبه الحق بالباطل، أو هو استئناف في جواب ما سبب ذلك، يعني: ليس ذلك المنام من قبيل تمثل الشيطان في خيال الرائي ما شاء من التخيلات، وإنما عزاه لمسلم وحده لوقع الشك من راويه في لفظه.
وقد رواه البخاري ومسلم أيضًا بلا شك، كلاهما من حديث أبي هريرة: "من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي"، رواه الطبراني، وزاد: "ولا بالكعبة"، وقال: لا تحفظ هذه اللفظة إلا في هذا الحديث.