كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

وصار العلم بذلك قويًا، انتفى عنه الشك، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له فيه شبهة، ولكن يقع لهم ذلك في بعض غيبة حس وغموض طرف، لورود حالة لا تكاد تضبطها العبارة. ومراتبهم في الرؤية متفاوتة، وكثيرًا ما يغلط فيها رواتها، فقل ما تجد متصلة صحيحة عمن يوثق به, وأما من لا يوثق به فقد يكذب، وقد يرى منامًا، أو في غيبة حس، فيظنه يقظة، وقد يرى خيالا أو نورًا فيظنه الرسول، وقد يلبس عليه الشيطان فيجب التحرز في هذا الباب
__________
"وصار العلم بذلك قويًا، انتفى عنه الشك" لاستحالة الكذب مع التواتر، "ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له فيه شبهة، ولكن يقع لهم ذلك في بعض غيبة حس وغموض طرف، لورود حالة لا تكاد تضبطها العبارة. ومراتبهم في الرؤية" المذكورة في شبه اليقظة "متفاوتة" باعتبار مقاماتهم، فبعضهم أعلى فيها من بعض"، "وكثيرًا ما يغلط فيها رواتها، فقل ما تجد متصلة صحيحة عمن يوثق به" لأن غالبهم يكتمون الأمر.
"وأما من لا يوثق به فقد يكذب، وقد يرى منامًا، أو في غيبة حس، فيظنه يقظة، وقد يرى خيالا أو نورًا فيظنه الرسول" صلى الله عليه وسلم، واعترض هذا بأنه سوء ظن بهم، حيث يشتبه عليهم رؤية الغيبة برؤية اليقظة، وهذا لا يظن بأدون العقلاء، فكيف بالأكابر؟ "، "وقد يلبس" بكسر الباء: يخلط "عليه الشيطان" لعدم تمكنه.
أما المتمكن فلا، كما حكى أن العارف الكيلاني رأى مرة نورًا ملأ الأفق، ونودي منه أنا ربك، وقد أبحت لك المحرمات، فقال: اخسأ يا لعين، فانقلب النور دخانًا وظلامًا، فقال: نجوت مني بفقهك في أحكام منازلاتك، وقد أضللت بهذا سبعين صديقًا، فسئل بم عرفت أنه الشيطان؟ قال: بقوله أبحت لك المحرمات، "فيجب التحرز في هذا الباب" فإن رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة باب ضيق وقل من يقع له ذلك إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالبًا مع أنا لا ننكر من تقع له من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في بواطنهم وظواهرهم، قاله ابن الحاج في المدخل، قال: وقد أنكر بعض علماء الظاهرية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة؛ لأن العين الفانية لا ترى العين الباقية، والنبي في دار الباقية، والرائي في دار الفناء، ورده الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة بأن المؤمن إذا مات يرى الله تعالى، وهو لا يموت، والواحد منهم يموت في كل يوم سبعين مرة، انتهى، ويتأمل معنى موت الواحد في اليوم سبعين مرة، وفي روض الرياحين عن المرسي: لما جاء الغلاء الكبير إلى مصر توجهت لأن أدعو، فقيل لي: لا تدع، فلا يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء، فسافرت إلى الشام، فلما وصلت إلى قرب ضريح الخليل عليه السلام، تلقاني، فقلت: يا رسول الله! اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل مصر، فدعا لهم،

الصفحة 299