كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
وأن يقرأ على مكان مرتفع.
روينا عن مطرف قال: كان الناس إذا أتوا مالكًا -رحمه الله- خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل، فإن قالوا المسائل خرج إليهم في الوقت، وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا وتعمم ولبس ساجه -والساج: الطيلسان- وتلقى له منصة فيخرج ويجلس عليها، وعليه الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
زاد أبو بكر بن العربي: فإذا قرئ كلامه، وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك عند تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} الآية، وكلامه صلى الله عليه وسلم من الوحي له مثل ما للقرآن، إلا معاني مستثنى بيانها في كتب الفقه، وإذا كان رفع الصوت فوق صوته موجبًا لحبوط العمل، فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به، انتهى.
"و" يستحب "أن يقرأ على مكان مرتفع" عال، زاد في الأنموذج: وقراءة حديثه عبادة، يثاب عليها، كقراءة القرآن في إحدى الروايتين، أي: والرواية الثانية اختصاص ذلك بالقرآن، لأنا تعبدنا بألفاظه، والحديث بمعانيه ولذا جازت روايته بالمعنى للعارف، ولا يجوز ذلك في القرآن مطلقًا.
"روينا عن مطرف" بن عبد الله بن مطرف اليساري، بالتحتانية والمهملة المفتوحتين، أبي مصعب المدني، ابن أخت مالك، وثقه ابن سعد والدارقطني، وروى عنه البخاري وغيره، ولم يصب ابن عدي في تضعيفه، مات سنة عشرين ومائتين على الصحيح، وله ثلاث وثمانون سنة، "قال: كان الناس إذا أتوا مالكًا رحمه الله" لطلب العلم، وهو داخل بيته، وطلبوا خروجه لإقرائهم، "خرجت إليهم الجارية، فتقول لهم: يقول لكم الشيخ تريدون" بتقدير أداة الاستفهام، أي: أتريدون "الحديث، أو المسائل" الفقهية، فتعريفه للعهد، "فإن قالوا المسائل، خرج إليهم في الوقت" على حالته التي هو عليها، "وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله" المكان الذي أعده للغسل فيه، "فاغتسل وتطيب، ولبس ثيابًا جددًا" بضم أوله وثانيه: جمع جديد، كسرير وسرر، "وتعمم ولبس ساجه، والساج: الطيلسان" مطلقًا، أو الأخضر، أو الأسود، "وتلقى له منصة" بكسر الميم، لأنها آلة على ما في المصباح، وقال غيره، بالكسر والفتح شيء عال كالكرسي والسرير من نصصته، إذ رفعته، وهي في الأصل ما يوضع للعروس، يجلس عليه، أو يقف عند جلائها، "فيخرج ويجلس عليها، وعليه الخشوع" والسكينة والوقار، "ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" إجلالا له، فإنه كان يحب الرائحة الطيبة.