كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

ومنها: أنه يكره لقارئ حديثه أن يقوم لأحد، قال ابن الحاج في "المدخل": لأنه قلة أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وقلة احترام وعدم مبالاة أن يقطع حديثه لأجل غيره، فكيف لبدعه، وقد كان السلف لا يقطعون حديثه ولا يتحركون إن أصابهم الضرر في أبدانهم ويتحملون المشقة التي تنزل بهم إذ ذاك التحديث احترامًا لحديث نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وحسبك ما وقع لمالك -رحمه الله- في لسع العقرب له سبع عشر مرة، وهو لم يتحرك، وتحمله للسعها توقيرًا لجناب حديثه صلى الله عليه وسلم أن يكون يقرأ وهو يتحرك لضر أصابه، مع أنه معذور فيما وقع، فكيف بالحركة والقيام إذ ذاك لا لضرورة بل لبدعة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك ما لا ينبغي من الكلام المعتاد، انتهى.
ومنها أن قراء حديثه لا تزال وجوههم نضرة، وأن قراء حديثه اختصوا بالتلقيب بالحفاظ.
__________
"ومنها: أنه يكره لقارئ حديثه" دون غيره من العلوم "أن يقوم لأحد، قال ابن الحاج في المدخل: لأنه" أي: القيام "قلة أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وقلة احترام وعدم مبالاة أن" أي: بأن "يقطع حديثه لأجل غيره، فكيف لبدعه" وهي القيام، "وقد كان السلف لا يقطعون حديثه ولا يتحركون إن أصابهم الضرر في أبدانهم ويتحملون المشقة التي تنزل بهم إذ ذاك" أي: وقت "التحديث احترامًا لحديث نبيهم صلى الله عليه وسلم، وحسبك ما وقع لمالك رحمه الله في لسع العقرب له سبع عشرة" وفي الشفاء: ست عشرة "مرة"، فصار يصفر ويتلوى حتى تم المجلس وتفرق الناس، وقال: صبرت للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينافي قوله: "وهو لم يتحرك" لأن المراد حركة عنيفة لا اللالتواء، "وتحمله للسعها توقيرًا لجناب حديثه أن يكون يقرأ وهو يتحرك لضر أصابه، مع أنه معذور فيما وقع، فكيف بالحركة والقيام إذ ذاك لا لضرورة بل لبدعة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك ما لا ينبغي من الكلام المعتاد" نحو: ما حالكم أنتم طيبون، "انتهى" كلام ابن الحاج.
"ومنها: أن قراء حديثه لا تزال وجوههم نضرة" أي: حسنة ذات بهجة وسرور لقوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرأ، سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها". رواه أحمد والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة، بل قال الحافظ: إنه مشهور، وعده بعضهم من المتواتر، لأنه ورد عن أربعة وعشرين صحابيًا وسردهم، "وأن قراء حديثه اختصوا بالتلقيب بالحفاظ" والحافظ من حفظ مائة ألف حديث متنًا وإسنادًا، ولو بتعدد الطرق والأسانيد، أو من روى ما يحتاج إليه.

الصفحة 311