كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

على الصحيح عند أهل الأصول، والفرق عظم مرتبة النبوة ونورها، فمبجرد ما يقع بصره على الأعرابي الجلف ينطق بالحكمة.
ومنها أن أصحابه كلهم عدول، لظواهر الكتاب والسنة، فلا يبحث عن عدالة أحد منهم.
__________
الصحابي، وضبط ما قاله "على الصحيح عند أهل الأصول" لا المحدثين، فالأصح عندهم؛ كما عند ابن الصلاح والنووي: أنه من لقي الصحابي كما قاله الحاكم وغيره.
قال العراقي: وعليه عمل الأكثر، كمسلم وابن حبان وإن لم يسمع من الصحابي، ولم يميز، واشترط ابن حبان تمييزه، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة والتابعين بقوله: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني" ... الحديث، فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية، انتهى باختصار، واختاره أيضًا الحافظ بن حجر، وهو صريح في أن فضل التابعية يحصل بمجرد اللقى والرؤية، وإن كانت روايته عن ذلك الصحابي الذي رآه لا تصح، إلا إذا ثبت سماعه منه، وإلا فهي منقطعة كما بين في علوم الحديث، ومن عكس هذا فقد وهم.
"والفرق" على ما صححه الأصوليون, ووافقهم طائفة من المحدثين، كالخطيب، "عظم مرتبة النبوة" أي: نبوته قال عهدية، أو عوض عن المضاف إليه، وجعلها جنسية يقتضي مشاركة الأنبياء له في ذلك، وإن لم يكن رسولا، ويحتاج لنقل صريح لعدم ثبوت الخصائص بالاحتال "و" لعظم "نورها، فمبجرد ما" مصدرية "يقع بصره على الأعرابي الجلف" بالكسر، أي: الجافي، ووقع بصره تمثيل لا تقييد، فلو رأى النبي على بعد، ولم يره النبي صلى الله عليه وسلم، كان صحابيًا "ينطق بالحكمة" لشرف منزلته، فيظهر أثر نوره في قلب من لقيه، وعلى جوارحه، فالاجتماع به يؤثر من النور القلبي أضعاف ما يؤثر الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره، ولا يشترط إيمان التابعي وقت اجتماع بالصحابي، قال البقاعي: وإنما اشترط في الصحبة الإيمان لشرفها، فاحتيط لها، ولأنه تعالى شرط في الصحابة كونهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} ولا يكونون معه إلا إذا آمنوا به، انتهى.
نعم، لو أسلم بعدما لقيه كافرًا، وحدث ما سمعه منه حالتئذ قبل، وإن لم يكن صحابيًا. قال العراقي:
وقبلوا من مسلم تحملا ... في كفره كذا صبي حملا
"ومنها: أن أصحابه كلهم عدول" بتعديل الله تعالى وتعديله عليه الصلاة والسلام "لظواهر الكتاب" نحو: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} الآية، "والسنة" فتقبل رواياتهم ولو كان حجة لفعلهم كرواية علي قتل الخوارج وشهادتهم لا ثبوت عصمتهم واستحالة المعصية عليهم؛ كما نص عليه ابن الأنباري وغيره, وأشار إليه بقوله: "فلا يبحث عن عدالة أحد منهم"

الصفحة 313