كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
كما يبحث عن سائر الرواة. قال الله تعالى خطابًا للموجودين حينئذ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] ، أي: عدولا، وقال عليه السلام:
__________
في شهادة ولا رواية "كما يبحث عن سائر الرواة" وغيرهم لأنهم خير الأمة ومن طرأ له منهم قادح كسرقة وزنا عمل بمقتضاه، ولكن لا يفسقون بما يفسق به غيرهم كما ذكره الحلال المحلي في شرح الجوامع فتقبل رواياتهم وشهاداتهم، ولو وقعت كبيرة من بعضهم أقيم حدها أم لا؟ وإن لم يبلغنا توبته. ومن فوائد عدالتهم مطلقًا أنه إذا قيل عن رجل من أصحاب النبي، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم كان حجة كتعيينه باسمه بخلاف غيرهم فلا يقبل المبهم لاحتمال أنه ليس عدلا وسواء من لابس الفتنة وغيره على المختار طال اجتماعهم به أو قصر، وقول المازري في شرح البرهان: لسنا نعني بعدالة الصحابة كل من رآه يومًا أو زاره أو اجتمع به لغرض وانصرف عن قرب، بل الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. قال العلائي الحافظ: غريب لا يواف عليه، والجمهور على التعميم، انتهى. ويؤيد العموم رواية الأئمة أحاديثهم مطلقًا بدون تردد مع ورود النهي عن روايته عن غير العدل، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تأخذوا الحديث إلا عمن تجوزون شهادته"، رواه الخطيب وغيره عن ابن عباس، وقال ابن سيرين: هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. وقال مالك: لا تحمل العلم عن أهل البدع، ولا تحمله عمن لم يعرف بالطلب، ولا عمن يكذب في حديث الناس، وإن كان في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكذب، رواه ابن عساكر، وكان عروة بن الزبير يسمع الحديث يستحسنه ولا يرويه لكونه لا يثق ببعض رواته لئلا يؤخذ عنه رواه الشافعي، فلو لم تكن الصحابة كلهم عدولا لامتنع مالك وغيره من الأئمة عن رواية كثير منهم.
"قال الله تعالى خطابًا للموجودين حينئذ" يعني الصحابة: {وَكَذَلِكَ} أي: كما هديناكم إلى صراط مستقيم أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل، {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ، أي عدولا" مزكين بالعلم والعمل أو خيارًا، وكذا قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ، قال الحافظ العراقي: قيل اتفق المفسرون على أن الخطاب في الآيتين للصحابة الموجودين، انتهى. لكن البيضاوي والجلال جعلا الخطاب لأمة محمد الشامل لهم ولمن بعدهم إلى يوم القيامة، ويؤيده حديث البخاري وغيره في جحد الأمم تبليغ أنبيائهم فيؤتى بأمة محمد فيشهدون بالبلاغ ويزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم ويمكن الجمع بأن الخطاب للصحابة حقيقي لوجودهم، وإن كان المراد ما يشملهم وغيره لاشتراك الجميع في العلم.
"وقال عليه السلام" فيما أخرجه الشيخان وأصحاب السنن من حديث أبي سعيد الخدري، وفي بعض طرقه عند مسلم، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف