كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
__________
شيء فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم" وفي رواية: "فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا" كل يوم كما زاد في رواية البرقاني، قال: وهي زيادة حسنة: "ما بلغ مد أحدكم" بضم الميم، مكيال معروف، وحكى الخطابي أنه روي بفتح الميم، قال: والمراد به الفضل والطول ذكره الحافظ وتوقف الدماميمي، فقال: لا أدري هل أراد أنه روى في البخاري أو رواية في الحديث في الجملة، فينبغي تحريره، انتهى. وهو تشكيك لا طائل تحته، فالمتبادر أنه في البخاري. "ولا نصيفه" أي: المد من كل شيء يوزن رغيف، أي: نصفه كما يقال: عشر وعشير وثمن
.وثمين، وقيل: النصيف مكيال دون المد ذكره الفتح، وقال تلميذه شيخ الإسلام زكريا بفتح النون وضمها مصغرًا، أي: نصفه والنصف مثلث النون، فمجموع ذلك خمس لغات، انتهى. قال البيضاوي: معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبًا من الأجر والفضل ما نال أحدهم بإنفاق مد أو نصفه وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية، قال الحافظ: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه وأشار بالأفضلية بسبب الاتفاق إلى الأفضلية بسبب القتال كما في آية: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} ، ففيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيمًا لشدة الحاجة إليه وقلة المعتنى به بخلاف ما وقع بعد ذلك لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا فلا يقع ذلك الموقع المتقدم، انتهى. وسبقه الطيبي، فقال: يمكن أن يقال فضيلتهم بحسب فضيلة إنفاقهم وعظم موقعها؛ كما قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ} ، وهذا في الإنفاق، فكيف بمجاهدتهم وبذلهم أرواحهم ومهجهم؟ قال الحافظ: وفي قوله: "فلو أن أحدكم" إشعار بأن المراد بقوله أصحابي أصحاب مخصصون وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: لو أن أحدكم أنفق، وهذا مثل قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي} الآية، ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدركه ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب أولى، وغفل من قال -يعني الكرماني- الخطاب بذلك لغير الصحابة، والمراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلا لمن سيوجد منزلة الموجود للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق، انتهى. وتعقبه العيني بأن الحديث الذي فيه قصة خالد لا يدل على أنه المخاطب بذلك الخطاب، وإن سلمنا أنه المخاطب فلا نسلم أنه كان إذ ذاك صحابيًا بالاتفاق إذ يحتاج إلى دليل، ولا يظهر ذلك إلا بالتاريخ ولم يجب