كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

..............................................................
__________
في الترغيب والترهيب، وقالوا: إنه كذب له لا عليه، وهذا جهل باللغة العربية وما دروا أن قوله صلى الله عليه وسلم: "من نقل عني ما لم أقل يقتضي الكذب على الله تعالى"؛ لأنه إثبات حكم سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه، وقد اشتد النكير على من كذب على الله في قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} ، فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر. وقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} ، والآيات في ذلك متعددة، فلذا شدد في الكذب عليه صلى الله عليه وسلم وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزار عن ابن مسعود: "من كذب علي ليضل به الناس" الحديث، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، ورواه الدارمي عن يعلى بن مرة بسند ضعيف وعلى تقدير ثبوته فليست اللام للعلة بل للصيرورة؛ كقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ} ، والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له؛ كقوله: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} ، {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} ، فقتلهم ومضاعفة الربا والإضلال إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا لاختصاص الحكم؛ كما قاله الحافظ رحمه الله تعالى: قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه عنه خلق كثير من الصحابة، واعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه، فأول من وقفت على كلامه في ذلك علي بن المديني وتبعه يعقوب بن شيبة، فقالا: إنه ورد عن عشرين صحابيًا ثم إبراهيم الحربي والبزار، فقالا: ورد عن أربعين وزاد ابن صاعد قليلا. وقال الصيرفي: رواه ستون، وجمع الطبراني فزاد قليلا. وقال ابن منده: رواه أكثر من ثمانين، وجمع ابن الجوزي طرقه في مقدمة الموضوعات فجاوز تسعين، وبه جزم ابن دحية. وقال أبو موسى المديني: يرويه مائة صحابي وجمعها بعده الحافظ المزي وأبو علي البكري، وهما متعاصران، فوقع لكل ما ليس عند الآخر ومجموع ما ذكراه مائة على ما فيها من صحيح وحسن وضعيف وساقط مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخالص ونقل النووي أنه جاء عن مائتين من الصحابة، ولأجل كثرة طرقه أطلق جماعة أنه متواتر، ونازع بعض مشائخنا في ذلك بأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودة في كل طريق بمفردها.
وأجيب: بأن المراد بإطلاقه كونه متواترًا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم وأيضًا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد الكثير، وتواترت عنهم. وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين، وكذا حديث ابن مسعود، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو؛ فلو قيل في كل منها أنه متواتر عن صحابيه لكان

الصفحة 320