كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

كان أبو بكر لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، وروي أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يسمع عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته. وكان ثابت بن قيس بن شماس في أذنه وقر، وكان جهوريًا، فلما نزلت تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتفقده ودعاه فقال: يا رسول الله! لقد أنزلت عليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال عليه الصلاة والسلام: "لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة"، قال أنس فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا.
__________
لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار".
قال المصنف: بكسر السين المهملة، أي: كصاحب السرار، أي: لا يرفع صوته إذا حدثه، بل يكلمه كلامًا مثل المساواة، وشبهها لخفض صوته.
قال الزمخشري: ولو أريد بأخي السرار المسارر كان وجهًا، والكاف على هذا في محل نصب على الحال، يعني: لأن التقدير حدثه حديثًا مثل المسارة، انتهى، فهو براءين، بينهما ألف، كما في النسخ، ومثله في صحيح البخاري، كما رأيت وصحفه من قال السر، فأسقط منه الألف والراء، وقال: أي كالأخ الذي يريد مسارة أخيه بما يريد كتمه، فلا يحب أن يطلع عليه غيره، فيخفي كلامه عند مخاطبته غاية الإخفاء، فهذا صحيح في نفسه، لكن ليس هو الرواية.
"وروي: أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يسمع عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته" ما مصدرية، قال الحافظ: وأما خبر ابن عباس وجابر في الصحيح أن نسوة كن يكلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عالية أصواتهن، فالظاهر أنه كان قبل النهي، ويحتمل أن علو الصوت كان بالهيئة الاجتماعية، لا لانفراد كل منهن، وقال غيره: إنه بعده، لكنهن لم يعلمن به، ورد بأنه كان يجب عليه بيان الحكم لهن، ولم ينقل، "وكان ثابت بن قيس بن شماس" خطيبه صلى الله عليه وسلم، وخطيب الأنصار "في أذنه وقر" بسكون القاف، صمم، "وكان جهوريًا" أي: عالي الصوت، "فلما نزلت، تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقعد في بيته، وأغلق بابه، "فتفقده" المصطفى، "ودعاه، فقال: يا رسول الله! لقد أنزلت عليك هذه الآية، وإني رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال عليه الصلاة والسلام: "لست هناك" أي: في ذلك الموضع الذي يحبط فيه العمل، والمعنى: لست ممن يحبط عمله، "إنك تعيش بخير، وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة".
وعند ابن سعد والدارقطني، فقال له صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة" وأخرجه ابن جرير، وقال في آخره: فعاش حميدًا وقتل شهيدًا.
"قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدنا" وفي رواية: أظهرنا،

الصفحة 326