كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

ثم قال: واختلفوا، فقال بعضهم: إنه كان قد عمي بالكلية، فالله تعالى جعله بصيرًا في هذا الوقت، وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والأحزان بحيث صار يدرك إدراكًا ضعيفًا، فلما ألقوا القميص على وجهه وبشر بحياة يوسف عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره وزال النقصان عنه، انتهى.
ومنها أن من سبه أو انتقصه قتل.
واختلف هل يحتم قتله في الحال، أو يوقف على استتابته؟ وهل.
__________
قال البيضاوي: وفي الآية دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع، ولعل أمثال ذلك لا تدل تحت التكليف؛ فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى صلى الله عليه وسلم على إبراهيم، وقال: "القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون"، انتهى، وذلك الجزع والحزن لما جبلوا عليه من الرحمة، ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء، فلا ينافي أن الأنبياء عالمون بأن الله فعال لما يريد، وقضاؤه كائن ويؤخذ منه أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة، لا يخرجه البكاء والحزن عن كونه صبرًا راضيًا، إذ كان قلبه مطمئنًا، بل قد يقال: إن من ينزعج من المصيبة، ويعالج نفسه على الصبر والرضا أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلا، أشار إلى ذلك ابن جرير، وأطال في بيانه، "ثم قال" الرازي: "واختلفوا، فقال بعضهم" كمقاتل: "إنه كان عمي بالكلية، فالله تعالى جعله بصيرًا في هذا الوقت" الذي ألقى فيه القميص على وجهه، "وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والأحزان، بحيث صار يدرك إدراكًا ضعيفًا، فلما ألقوا القميص على وجهه" وهو قميص إبراهيم الذي أتى به جبريل لإبراهيم حين ألقي في النار من حرير الجنة، فلما مات أخذه إسحاق، فلما مات أخذه يعقوب، فلما شب يوسف، جعله يعقوب في قصبة من فضة، وسد رأسها، وجعلها في عنقه، كالتعويذة لما يخاف عليه من العين، وكانت في عنق يوسف حين ألقي في الجب عريانًا، فأتاه جبريل، وأخرج ذلك القميص وألبسه إياه، فلما كان هذا الوقت أمره جبريل بإرساله لأبيه، وقال: إنه فيه ريح الجنة، ولا يلقى على مبتلى إلا عوفي؛ كما قاله مجاهد وغيره، وجزم به البغوي والجلال، "وبشر بحياة يوسف" من ابنه يهوذا جاءه بالقميص، وكان قد حمل قميص الدم، فأحب أن يفرحه، كما أحزنه، "عظم فرحه، وانشرح صدره، وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره، وزال النقصان عنه، انتهى" كلام الرازي.
"ومنها: أن من سبه" أي: شتمه "أو انتقصه" بأن وصفه بما يعد نقصًا عرفًا، "قتل" بإجماع، "واختلف هل يتحتم قتله في الحال، أو يوقف على استتابته" والامتناع منها، "وهل

الصفحة 330