كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
وهذا قد ذكره القاضي عياض في الشفاء وغيره، واستدلوا له بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57] ، واللعنة من الله هي إبعاد الملعون عن رحمته وإحلاله في وبيل عقوبته، قال القاضي عياض: وإنما يستوجب اللعن من هو كافر، وحكم الكافر القتل.
والأذى: هو الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا، كذا قاله الخطابي وغيره. وإطلاق الأذى في حقه تعالى إنما هو على سبيل المجاز لتعذر الحقيقة. ويشهد لذلك الحديث الإلهي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني".
__________
أما المميز، فإسلامه وردته معتبران، فإن بلغ ولم يتب قتل، وإن تاب أو أنكر ما شهد به عليه لم يقتل لوقوعه من غير مكلف، وفي المدخل من قال في نبي من الأنبياء في غير التلاوة والحديث عصى أو خالف فقد كفر، انتهى، ويتبادر منه أنه مرتد، ويحتمل أنه ساب.
"وهذا قد ذكره القاضي عياض في الشفاء" في أواخرها، "و" ذكره "غيره، واستدلوا له بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمعاصي، ويؤذون رسول الله بكسر رباعيته، وقولهم شاعر مجنون، ونحو ذلك {لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} أبعدهم {وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} ذا إهانة، وهو النار، فأطلق في الآية وعمم، وقال: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} الآية، فقيد وشرط وغاير في الجزاء، "واللعنة من الله هي إبعاد الملعون عن رحمته وإحلاله في وبيل" بموحدة، فتحتية، أي: شديد "عقوبته" من إضافة الصفة للموصوف، أي: عقوبته الشديدة.
"قال القاضي عياض: وإنما يستوجب اللعن" أي: يستحقه وجوبًا "من هو كافر" وهذه مقدمة أولى من برهان منطقي على الحكم بقتله، "و" المقدمة الثانية هي "حكم الكافر القتل" لأنه غير معصوم بالذات، وإنما عرض له ما يمنع من قتله، ومن كفر بسببه أشد من الكافر الأصلي، فحتم قتله، "والأذى هو الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا؛ كذا قال الخطابي وغيره، وإطلاق الأذى في حقه تعالى، إنما هو على سبيل المجاز لتعذر الحقيقة" إذ هو إيصال المكروه، وهو لا يتصور في حقه تعالى، لكنه لما خولف أمره وارتكبت معاصيه، عد ذلك أذى له على ما تعارفه الناس فيما بينهم، أو ذكر تهويلًا لأذية الرسول، وأن من يؤذيه، كمن يؤذي الله، ويشهد لذلك الحديث الإلهي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني".