كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

وكذلك قتل جاريتيه.
فقالوا: إنه قد ثبت أمره بقتل من آذاه، ومن تنقصه، والحق له عليه السلام وهو مخير فيه، فاختار القتل في بعضهم وعفا عن بعضهم وبعد وفاته تعذرت المعرفة بالعفو، لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه صلى الله عليه وسلم فإنه لم يرد عنه الإذن في ذلك. وهذا جعله في الشفاء.
وأما الإجماع: فقال القاضي عياض: أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم.
__________
استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا" وأصح الروايات في تعيين قاتله أنه أبو برزة كما قدمه المصنف في فتح مكة تبعًا للحافظ.
"وكذلك قتل" مصدر مجرور، عطف على عبد الله، أي: أمر بقتل "جاريتيه" اللتين كانتا تغنيان بهجائه، وهما فرتنى، بفتح الفاء، وإسكان الراء، ففوقية، فنون مقصورة وقريبة، بقاف، وموحدة، مصغر. قتلت، وأسلمت فرتنى، فلم تقتل؛ كما مر في الفتح، فلا يقرأ قتل فعلا، للإخبار بأنه قتلهما، لأنه خلاف الواقع، "فقالوا" في وجه الاستدلال: "أنه قد ثبت أمره بقتل من آذاه، ومن تنقصه، والحق له عليه السلام، وهو مخير فيه، فاختار القتل في بعضهم" كابن خطل ومقيس، "وعفا عن بعضهم" كابن أبي سرج وعكرمة، "وبعد وفاته تعذرت المعرفة بالعفو" فبقي الحكم على عمومه في القتل، "لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لم يرد عنه الإذن في ذلك وهذا جعله في الشفاء" سؤالا وجوابًا، وأطال في بيان تفاصيله.
"وأما" مقامه "من المسلمين وسابه" بالشتم الذي هو معنى السب، فليس إطنابًا، إذ الانتقاص يشمل السب كما زعم ولكن في الاستدلال بهذا الجماع على قتله إذا تاب لأن محصله أنه يقتل فقط، والتوبة وعدمها لم يجمع عليه، وعياض نفسه لم يجعله دليلا على ذلك، وعبارته القسم الرابع في تصريف وجوه الأحكام فيمن تنقصه إلى أن قال: حرم الله أذاه في كتابه، وأجمعت الأمة ... إلخ. وقيد بالمسلمين للخلاف في الكافر، هل يقتل أو ينتقض عهده ويبلغ مأمنه، وقد عقد عياض لذلك فصلا بعد.
"قال ابن المنذر" أبو بكر محمد بن إبراهيم النيسابوري: "أجمع عوام" أي: جماعة "أهل العلم" جمع عامة، والمتقدمون يعبرون بهذه العبارة للعموم، فكأنه قيل: أجمع عموم، أي كل العلماء وليس المراد العامي، إذ لا عبرة بهم، ولا بإجماعهم، وأهل العلم ينادي عليه؛ لأن العامي

الصفحة 337