كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
ولم ينقل أنه قتل مسلمًا بسبه، وإنما كان ذلك في أهل الكفر والعناد، ولو نقل فلا يتعين كونه حدًا، لاحتمال أن يكون قتله كفرًا، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ، فأعلمنا أن ما وراء الشرك في حيز إمكان المغفرة، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] .
فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى لا بالنظر إلى حقوق العباد، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة. وهذا حق النبي صلى الله عليه وسلم وليس لنا أن نسقطه.
__________
إسلامه، ولام الصحابة على ترك قتله، كما مر، "ولم ينقل أنه قتل مسلمًا بسبه، وإنما كان ذلك في أهل الكفر والعناد" لكريم أخلاقه وحبه العفو والصفح، وهو ولي ذلك، فأحب العفو عمن وقع له ذلك وأسلم، وقد قال: "من سب نبيًا فاقتلوه" أخرجه الدارقطني والطبراني من حديث علي، ومن تشمل المسلم والكافر وأمره كفعله، "ولو نقل فلا يتعين كونه حدًا لاحتمال أن يكون قتله كفرًا" ويدفع هذا الاحتمال قتل ابن أبي سرح بعدما أسلم، ويؤيده عموم من سب نبيًا فاقتلوه، فإن ظاهره: ولو عاد إلى الإسلام.
وروى ابن قانع: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني سمعت أبي يقول فيك قولًا قبيحًا فقتلته، فلم يشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فلو لم يكن قتل الساب مشروعًا، كان ذلك من أكبر الكبائر؛ لأنه قتل وعقوق، وظاهر قوله: فلم يشق أنه كان مسلمًا، إذ قتل الكافر لا يشق عليه حتى ينفى.
"وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} أي: الإشراك به، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ} سوى {ذَلِكَ} من الذنوب {لِمَنْ يَشَاءُ} الآية المغفرة له، فيدخله الجنة بلا عذاب، ومن شاء عذبه من المؤمنين بذنوبه ثم يدخله الجنة، "فأعلمنا أن ما وراء الشرك في حيز إمكان المغفرة" وهو كذلك بلا شك، لكنه لا يمنع إقامة الحدود، ألا ترى أن الزاني والسارق إذا تاب بعد بلوغ الإمام لا يسقط حده، فكذلك حد ساب الأنبياء إذا تاب نقول بتوبته وصحة إسلامه، ولكن نقيم حده، وهو القتل عملا بعموم قوله: "فاقتلوه".
"وقال تعال: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} الآية، لمن تاب من الشرك، ولكن ليس ذلك مانعًا من إقامة الحدود، فالقاتل يقتل وإن تاب، فذكر المصنف هاتين الآيتين لا يفيد غرضًا في استدلاله، "فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى" كصلاة وصوم، "لا بالنظر إلى حقوق العباد؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاحة، وهذا حق النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لنا أن نسقطه؛ لأنه لم