كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

وعند الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي، فجاء خزيمة فقال: يا أعرابي أتجحد، أنا أشهد أنك بعته، فقال الأعرابي: أن شهد علي خزيمة فأعطاني الثمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا خزيمة إنا لم نشهدك، كيف تشهد"؟ قال: أنا أصدقك على خبر السماء، ألا أصدقك على ذا الأعرابي؟! فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين، فلم يكن في الإسلام من تعدل شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة.
قال الخطابي: هذا الحديث حمله كثير من الناس على غير محمله، وتذرع به قوم من أهل البدع.
__________
لا يثبت إلا بالتواتر.
"وعند الحارث بن أبي أسامة" واسمه داهر، "في مسنده من حديث" مجاهد، عن الشعبي، "عن النعمان بن بشير" رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي، فجاء خزيمة فقال: يا أعرابي أتجحد؟ " بالاستفهام الإنكاري أي: وتطلب منه شهيدًا، "أنا أشهد أنك بعته، فقال الأعرابي: أن" بفتح الهمزة، أي لأجل إن، وكسرها بمعنى إذا تعليلية نحو:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزنا
وفي نسخة، وهي ظاهرة، إذ "شهد علي خزيمة فأعطاني الثمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا خزيمة إنا لم نشهدك" بالمبايعة، بمعنى لم تحضرها، كما في الرواية التي قدمتها؛ ما حملك على الشهادة ولم تكن معه حاضرًا: "كيف تشهد" على ما لم تعانيه ولم تحضره؟ "قال: أنا أصدقك على خبر السماء" والأرض، كما في رواية الحارث، فسقط من قلم المصنف والأرض؛ "ألا أصدقك على ذا الأعرابي؟! فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة
رجلين، فلم يكن في الإسلام من تعدل" لفظ الحارث من تجوز "شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة"، بتخصيص المصطفى له، ففيه أن يخص من شاء بما شاء، وبقية رواية الحارث عن النعمان: فرد صلى الله عليه وسلم الفرس على الأعرابي وقال: "لا بارك الله لك فيها، فأصبحت من الغد شائلة برجلها" أي: ماتت، وهذا الأعرابي اسمه سواء بن الحارث من وفد محارب، وروى ابن منده، وابن شاهين، عن المطلب بن عبد الله، قال: قلت لبني الحارث: إن سواء أبوكم الذي جحد بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا تقل ذلك، فلقد أعطاه بكرة، فما أصبحنا نسوق سارحًا ولا بارحًا إلا منها. "قال الخطابي" في شرح أبي داود: "هذا الحديث حمله كثير من الناس على غير محمله، وتذرع" بذال معجمة توسع وتوسل "به قوم من أهل البدع" وبإهمال الدال، أي: تمسكوا به وجعلوه كالدرع في اتقاء ما يرد

الصفحة 348