كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

وعلى هذا فيجاب عن قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] وقوله: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي} [مريم: 6] بأن المراد يرث النبوة والعلم.
__________
وفي شرح المصنف وحرفه الإمامية فقالوا: لا يورث بتحتية بدل النون، وصدقة نصب على الحال، وما تركنا مفعول لما لم يسم فاعله، فجعلوا الكلام جملة واحدة، ويكون المعنى: إن ما يترك صدقة لا يورث، وهذا تحريف يخرج الكلام عن نمط الاختصاص الذي دل عليه قوله في بعض طرق الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، ويقضي ما صرفوه إلى أمر لا يختص به الأنبياء لأن آحاد الأمة إذا وقفوا أموالهم أو جعلوها صدقة، انقطع حق الورثة عنها، فهذا من تحاملهم، أو تجاهلهم، وقد أورده بعض أكابر الإمامية على القاضي شاذان، صاحب القاضي أبي الطيب، فقال القاضي شاذان وكان ضعيف العربية، قويًا في علم الخلاف: لا أعرف نصب صدقة من رفعه، ولا احتياج إلى علمه، فإنه لا خفاء بي وبك أن عليًا وفاطمة من أفصح العرب، لا تبلغ أنت ولا أمثالك إلى ذلك منهما، فلو كان لهما حجة فيما لحظت لأبدياها لأبي بكر، فسكت ولم يجر جوابًا، وذهب النحاس إلى صحة نصب صدقة على الحال، وأنكره عياض لتأييده مذهب الإمامية، لكن قدره ابن مالك ما تركناه متروك صدقة فحذف الخبر، وبقي الحال كالعوض منه، ونظير قراءة بعضهم: "ونحن عصبة" بالنصب. انتهى، لكن في التوجيه نظر إذ لم تأت رواية بالنصب حتى توجه، ولأنه لم يتعين حذف الخبر، بل يحتمل ما قاله الإمامية، ولذا أنكره عياض وإن صح في نفسه، "وعلى هذا فيجاب عن قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} الآية، وقوله {فَهَبْ لِي} الآية، ويقع في نسخة: {رَبِّ هَبْ لِي} ، وهو تصحيف مخالف للتلاوة {مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي} الآية، "بأن المراد يرث النبوة والعلم" خلافًا لمن زعم أن خوف زكريا من مواليه كان على ما له، لأنه لا يخاف على النبوة، لأنها من فضل الله، يعطيها من شاء، فلزم أنه يورث، وهذا مدفوع بأن خوفه منهم لاحتمال شرتهم من جهة تغييرهم أحكام شرعه، فطلب ولدًا يرث نبوته ليحفظها.
"ومنها: أنه حي في قبره" قال البيهقي: لأن الأنبياء بعدما قبضوا ردت إليهم أرواحهم، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى نبينا صلى الله عليه وسلم جماعة منهم وأمهم في الصلاة، وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا معروضة عليه، وإن سلامنا يبلغه، وإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
قال السيوطي: وكل نبي إلا وقد جمع مع النبوة وصف الشهادة، فيدخلون في عموم قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا} الآية. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم،

الصفحة 363