كتاب اللباب في علوم الكتاب (اسم الجزء: 7)
والثالث: أنَّهُ مُتَعلِّقٌ بمحذُوفٍ على أنَّهُ حالٌ من «نِعْمَتِهِ» .
ذكر هَذَيْن الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْن أبُو البَقَاءِ، وهَذِه الآيَةُ بِخِلاف التي قَبْلَها [في قوله] : {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ، حَيْثُ امْتَنَعَ تَعَلُّقُ الجَارِّ بالنِّعْمَةِ؛ لتَقَدُّم مَعْمُول المصْدَر [عليه] كما تَقَدَّم بَيَانُهُ.
قال الزَّمَخشَرِيُّ: وقُرِئَ «فأطْهِرُوا» أي: أطْهِرُوا [أبْدَانَكُمْ] ، وكَذِلِكَ «لِيُطْهِرَكُمْ» ، يعني: أنَّهُ قُرِئَ «أطْهِرُوا» أمْرٌ من «أطْهِرْ» رُبَاعِيّاً ك «أكْرِمْ» ، ونسب النَّاسُ القِرَاءَةَ الثَّانِية، أعني قوله: «لِيُطْهِرَكُم» لسَعِيدِ بن المُسَيِّب.
ثم قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، والكَلاَمُ في لَعَلَّ مَذْكُور في البقرة عند قوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
قوله - سبحانه -: {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} الآية.
لما ذَكَر التَّكَالِيفُ أرْدَفَهُ بما يُوجِبُ عَلَيْهِمْ القبُول والانْقِيَاد، وذلك مِن وَجْهَيْن:
الأوَّلُ: كَثْرَةُ نِعَم اللَّهِ عَلَيْهِم؛ لأنَّ كَثْرَة النِّعَمِ تُوجِبُ على المُنْعِمِ عَلَيْه الاشْتِغَالَ بِخِدْمَةِ المُنْعمِ، والانْقِيَاد لأوَامِرِه ونَوَاهِيه.
وقال: «نِعْمَةَ اللَّه» ولمْ يَقُلْ «نِعَم اللَّهِ» ؛ لأنَّ هذا الجِنْسَ لا يَقْدِرُ عَلَيْه غير اللَّه؛ لأنَّ نِعْمَة الحَيَاةِ، والصِّحَّة، والعَقْل، والهِدَايَةِ، والصَّوْن من الآفَاتِ، وإيصَال الخَيْرَاتِ في الدُّنْيَا والآخِرَة شيء لا يَعْلَمُهُ إلاَّ الله تعالى، وإنَّما المُرادُ [التَّأمُّل] في هذا النَّوْع مِن حَيْثُ إنَّهُ مُمْتَازٌ عن نِعْمَةِ غَيْرِهِ.
والوجه الثاني في السببِ المُوجبِ للانْقِيَادِ للتَّكَالِيفِ: هُوَ المِيثَاقُ الذي واثَقَكُمْ بِهِ.
فإن قِيلَ: [قوله] {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} مشعِرٌ بسَبْقِ النِّسْيَان: وكَيْفَ يُمْكِن نِسْيَانُها [مع أنها] مُتَوَاتِرَةٌ متَوالِيَةٌ [علينا] في جَميعِ السَّاعَاتِ والأوْقَاتِ؟ فالجَوابُ: أنَّها لِكَثْرتها وتعاقُبها صارتْ كالأمْرِ المُعْتَاد، فصارت غَلَبَةُ ظُهُورِهَا وكَثْرتها سَبباً لِوُقوعِهَا مَحَلَّ النِّسْيَان.
الصفحة 240