@ 357 @
الفتكين والقرمطي فحصراه بها وطال الحصار وقلت الميرة وعدمت الأقوات وكان الزمان شتاء فلم يمكن حمل الذخائر في البحر من مصر وغيرها فاضطروا الى أكل الميتة وبلغ الخبز كل خمسة أرطال بالشامي بدينار مصري وكان جوهر يراسل الفتكين ويدعوه الى المرافقة والطاعة ويبذل له البذول الكثيرة فيهم أن يفعل فيمنه القرمطي ويخوفه منه فزادت الشدة على جوهر ومن معه فعاينوا الهلاك فأرسل الى الفتكين يطلب منه أن يجتمع به فتقدم إليه واجتمعا راكيبن فقال جوهر قد عرفت ما يجمعنا من عصمة الإسلام وحرمة الدين وقد طالت هذه الفتنة وأريقت فيها الدماء ونهبت الأوال ونحن المؤاخذون بها عند الله تعالى وقد دعوتك الى الصلح والطاعة والموافقة وبذلت لك الرغائب فأبيت إلا القبول ممن يشب نار الفتنة فراقب الله تعالى وراجع نفسك وغلب رأيك على هوى غيرك فقال الفتكين أنا والله واثق بك في صحة الرأي والمشورة منك لكنني غير متمكن مما تدعونني إليه بسبب القرمطي الذي أحوجتني أنت الى مداراته والقبول منه فقال جوهر إذا كان الأمر على ذكرت فإنني أصدقك الحال تعويلا على أمانتك وما أجده من الفتوة عندك وقد ضاق الأمر بنا واريد أن تمن علي نفسي وبمن معي من المسلمين وتذم لنا وأعود إلى صاحبي شاكرا لك وتكون قد جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف فأجابه الى ذلك وحلف له على الوفاء به وعاد واجتمع بالقرمطي وعرفه الحال فقال لقد أخطات فإن جوهرا له رأي وحزم ومكيدة وسيرجع الى صاحبه فيحمله على قصدنا بما لا طاقة لنا به والصواب أن ترجع عن ذلك ليموتوا جوعا ونأخذهم بالسيف فامتنع الفتكين من ذلك وقال لا أغدر به وأذن لجوهر ولمن معه بالمسير الى مصر فسار إليه واجتمع بالعزيز وشرح له الحال وقال إن كنت تريدهم فاخرج إليهم بنفسك والا فهم واصلون على أثري فبرز العزيز وفرق الأموال وجمع الرجال وسار وجوهر على مقدمته وورد الخبر الى الفتكين والقرمطي فعادا الى الرملة وجمعا العرب وغيرها وحشدا
ووصل العزيز فنزل بظاهر الرملة ونزلا بالقرب منه ثم اصطفوا للحرب في المحرم سنة سبع وستين وثلاثمائة فرأى العزيز من شجاعة الفتكين ما أعجبه فأرسل إليه في تلك الحال يدعوه الى طاعته ويبذل له الرغائب والولايات وأن يجعله مقدم عسكره والمرجوع إليه في دولته ويطلب أن يحضر عنده ويسمع قوله فترجل وقبل الأرض بين