أن المصريين قلما يفحشون فى هجائهم، وكثيرا ما يتحول إلى ما يشبه عتابا رقيقا كقول ابن مكانس المتوفى سنة 794 هاجيا (¬1):
نعم نعم محضتهم … صدق الولا تطوّلا (¬2)
وما رعوا عهدا ولا … مودّة ولا ولا
وفى كلمة «ولا» الأخيرة تورية واضحة إذ يريد بها مقصور ولاء. ونراه حين يصادر أمواله وبغاله وخيله السلطان الظاهر برقوق لا يشمّ ولا يهجو بل يكتفى بقوله (¬3):
ربّ خذ بالعدل قوما … أهل ظلم متوالى
كلّفونى بيع خيلى … برخيص وبغالى
والتورية فى كلمة بغالى مع كلمة برخيص-وهو يريد بغاله الحقيقية-واضحة، وهو يعمد إليها فى هذا الظرف الحرج من محنته.
ونظل نلتقى بالهجاء فى أيام العثمانيين، من ذلك قول الشهاب الخفاجى من قصيدة جميعها على النمط التالى (¬4):
يا ضيعة الهميان من عائل … قبيل عيد أعوز الفطره (¬5)
ويا قفا المهزوم من فارس … أدركه فى ساحة قفره
وبهتة السّكران من هاجم … فى ليلة مظلمة قره (¬6)
ويا نعيّا جاء عن واحد … إلى عجوز مالها أسره
وتمضى القصيدة على هذا النحو الساخر اللاذع المصمى تكيل الذم لمهجوه كيلا وتهزأ به وتسخر منه سخرية قائلة.
وتلقانا مطارحة (¬7) طريفة بين الشاعر المعروف باسم شبانة المتوفى سنة 1200 للهجرة والشاعر قاسم بن عطاء الله المتوفى سنة 1204، فقد نظم شبانة-يداعب قاسما-قصيدة هجائية طويلة يقول فيها:
¬_________
(¬1) ريحانة الألبا للخفاجى (طبعة الحلبى) ص 41.
(¬2) تطولا: تفضلا.
(¬3) النجوم الزاهرة 12/ 129.
(¬4) نفحة الريحانة للمحبى 4/ 612.
(¬5) الفطرة: النقل فى لغة المصريين العامية. الهميان: كيس النقود.
(¬6) قرة: باردة.
(¬7) تاريخ الجبرتى 2/ 128.