كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 102
المحسنين الذين نحن أولياؤهم ، عطف عليه سبحانه وتعالى قوله : ( أم ( قال الأصبهاني : قال الإمام : كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على آخر سواء كان المعطوف مذكوراً أو مضمراً - انتهى .
وكان الأصل : حسبوا ، ولكنه عدل عنه للتنبيه على أن ارتكاب السوء معم للبصيرة مضعف للعقل كما أفاده التعبير بالحسبان كما تقدم بيانه في البقرة فقال : ( حسب الذين اجترحوا ) أي فعلوا بغاية جهدهم ونزوع شهواتهم ) السيئات أن نجعلهم ( مع ما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة ) كالذين آمنوا وعملوا ( تصديقاً لإفرارهم ظاهراً وباطناً وسراً وعلانية ) الصالحات ( بأن نتركهم بلا حساب للفصل بين المحسن والمسيء .
ولما كانت المماثلة مجملة ، بينهما اشتئنافاً بقوله مقدماً ما هو عين المقصود من الجملة الأولى : ( سواء ) أي مستو استواء عظيماً ) محياهم ومماتهم ) أي حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه ف يالارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني .
ولما كان هذا مما لا يرضاه أحد لمن تحت يده ولا يغيره ، قال معبراً بمجمع الذم : ( ساء ما يحكمون ) أي بلغ حكمهم هذا في نفسه ولا سيما وهم بإصرارهم عليه في تجديد له كل ساعة أقصى نهايات السوء ، فهو مما يتعجب منه ، لأنه لا يدري الحامل عليه ، وذلك أنه نسبوا الحكيم الذي لا حكيم في الحقيقة غيره إلى ما لا يفعله أقل الناس فيمن تحت يده .
ولما أنكر التسوية وذمهم على الحكم بها ، أتبع ذلك الدليل القطعي على أن الفريقين لا يستويان وإلا لما كان الخالق لهذا الوجود عزيزاً ولا حكيماً ، فقال دالاً على إنكار التسوية وسوء حكمهم بها ، عاطفاً على ما تقديره : فقد خلق الله الناس كلهم بالحق وهو الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع ، وهو ثبات أعمال المحسنين وبطلان أفعال المسيئين ، عطف عليه قوله : ( وخلق الله ) أي الذي له جميع أوصاف الكمال ولا يصح ولا يتصور أن يحلقه نوع نقص ) السماوات والأرض ( اللتين هما ظرف لكم وابتدئت باطلاص ، فمتى وجد سبب الشيء وانتفى مانعه وجد ، ومتى وجد مانع الشيء وانتفى سببه انتفى ، لا يتخلف ذلك أصلاً ، ولذلك جملة ما وقع من خلقهما طابقه الواقع الذي هو قدرة الله وعلمه وحكمته وجميع ما له من صفات الكمال التي دل خلقهما عليها ، فإذا كان الظرف على هذا الإحكام فما الظن بالمظروف الذي ما خلق الظرف إلا من أجله ، هل يمكن في الحكمة أن يكون على غير ذلك فيكون الواقع الذي هو تفضيل المحسن على المسيء غير مطابق لأحوالهم ، ومن جملة المظروف ما بينهما فلذا لم يذكر هنا ، ولو كان ذلك من غير بعث ومجازاة بحسب الأعمال لما كان هذا الخلق العظيم بالحق بل بالباطل الذي تعالى عنه الحكيم فكيف وهو أحكم الحاكمين .

الصفحة 102