كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 109
صرح بما لوح إيه من أمر المحقين وعطف عليهم أضدادهم ، فقال بادئاً بهم على طريق النشر المشوش مفصلاً : ( فأما الذين آمنوا ) أي من الأمم الجاثية ) وعملوا ( تصديقاً لدعواهم الإيمان ) الصالحات فيدخلهم ) أي في ذلك اليوم الذي ذكرنا عظمته وشدة هوله ) ربهم ( الذي أحسن إليهم بالتوفيق بالأعمال الصالحة المرضية الموصلة ) في رحمته ) أي تقريبه وإكرامه بجليل الثواب وحسن المآب ، وتقول لهم الملائكة تشريفاً : سلام عليكم أيها المؤمنون ، ودل على عظيم الرحمة بقوله : ( ذلك ( الإحسان العالي المنزلة ) هو ) أي لا غيره ) الفوز ( .
ولما كان السياق لغباوتهم وخفاء الأشياء عليهم قال تعالى : ( المبين ( الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره ، لأنه لا يشوبه كدر أصلاً ولا نقص ، بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا ، فإنها - مع كونها كانت فوزاً - كانت خفية جداً على غير الموقنين ) وأما الذين كفروا ) أي ستروا ما جلته لهم مرائي عقولهم وفطرهم الأولى من الحق الذي أمر الله به ولو عملوا جميع الصالحات غير الإيمان ، فيدخلهم الملك الأعظم في لعنته .
ولما كان هذا الستر سبباً واضحاً في تبكيتهم قال : ( أفلم ) أي فيقال لهم : ألم يأتكم رسلي ، وأخلق لكم عقولاً تدلكم على الصواب من التفكر في الآيات المرئية من المعجزات التي يأتوكم بها وأنزل عليكم بواسطتهم آيات مسموعة فلم ) تكن آياتي ( على ما لها من عظمة الإضافة إليّ وعظمة الإتيان إليكم على ألسنة رسلي الذين هم أشرف خلقي .
ولما كانت هذه الآيات توجب الإيمان لما لها من العظمة بمجرد تلاوتها ، بني للمعفول قوله : ( تتلى ) أي تواصل قراءتها من أيّ تال كان ، فكيف إذا كانت بواسطة الرسل ، تلاوة مستعلية ) عليكم ( لا تقدرون على رفع شيء منها بشيء يرضاه منصف ) فاستكبرتم ) أي فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع والإخبات والخضوع أن طلبتم الكبر لأنفسكم وأوجدتموه على رسلي وآياتي ) وكنتم ( خلقاً لازماً ) قوماً ) أي ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه ) مجرمين ) أي عريقين في قطع ما يستحق الوصل ، وذلك هو الخسران المبين ، والآية من الاحتباك : ذكر الإدخال في الرحمة أولاً دليلاً على الإدخال في اللغنة ثانياً ، وذكر التبكيت ثانياً دليلاً على التشريف أولاً ، وسره أن ما ذكره أدل على شرف الولي وحقارة العدو ) وإذا ) أي وكنتم إذا ) قيل ( من أيّ قائل كان ولو على سبيل التأكيد : ( إن وعد الله ( الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال ) حق ) أي ثابت لا محيد عنه يطابقه الواقع من البعث وغيره لأن أقل الملوك لا يرضى بأن يخلف وعده فكيف به سبحانه وتعالى فكيف إذا كان الإخلاف