كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 117
أي دعاء عبادة ، ونبه على سفولهم بقوله تعالى : ( من دون الله ) أي الملك الأعظم الذي كل شيء دونه ، فلا كفوء له .
ولما كان من المعلوم أن الاستفهام عن رؤية ما مشاهدتهم له معلومة لا يصح إلى بتأويل أنه عن بعض الأحوال ، وكان التقدير : أهم شركاء في الأرض ، استأنف قوله : ( أروني ما ( وأكد الكلام بقوله سبحانه وتعالى : ( ماذا خلقوا ) أي اخترعوه ) من الأرض ( ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها باختراع ذلك الجزي .
ولما كان معنى الكلام وترجمته : أروني أهم شركاء في الأرض ؟ عادله بقوله : ( أم لهم ) أي الذين تدعونهم ) شرك في السماوات ( أ ] نوع من أنواع الشركة : تدبير - كما يقول أهل الطبائع ، أو خلق أو غيره ، أروني ذلك الذي خلقوه منها ليصح ادعاؤكم فيهم واعتمادكم عليهم بسببه .
فالآية من الاحتباك : ذكر الخلق أولاً دليلاً على حذفه ثانياً ، والشركة ثانيةً دليلاً على حذفها أولاً .
ولما كان الدليل أحد شيئين : سمع وعقل ، قال تعالى : ( ائتوني ) أي حجة على دعواكم في هذه الأصنام أ ، ها خلقت شيئاً ، أو أنها تستحق أن تعبد ) بكتاب ) أي واحد يصح التمسك به ، لا أكلفكم إلى الإتيان بأكثر من كتاب واحد .
ولما كانت الكتب متعددة ولم يكن كتاب قبل القرآن عاماً لجميع ما سلف من الزمان ، أدخل الجابر فقال تعال : ( من قبل هذا ) أي الذي نزل عليّ كالتوراة والإنجيل والزبور ، وهذا من أعلام النبوة فإنها كلها شاهدة بالوحدانية ، لو أتى بها آت لشهدت عليه .
ولما ذكر الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به ، وهو النقل القاطع ، سهل عليهم فنزل إلى ما دونه الذي منه العقل ، وأقنع منه ببقية واحدة ولو كانت أثراً لا عيناً فقال : ( أو أثارة ) أي بقية رسم صالح للاحتجاج ، قال ابن برجان : وهي البقية من أثر كل شيء يرى بعد ذهابه وحال رؤيته بأثرها خلق عن سلف يتحدثون بها في آثارهم ، قال البغوي : وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية .
) من علم ) أي قطعي بضرورة أو تجربة أو مشاهدة أو غيره ولو ظناً يدل على ما ادعيتم فيهم من الشركة .
ولما كان لهم من النفرة من الكذب واستشناعه واستبشاعه واستفظاظه ما ليس لأمة من الأمم ، أشار إلى تقريعهم بالكذب إن لم يقيموا دليلاً على دعواهم بقوله تعالى : ( إن كنتم ) أي بما هو لكم كالجبلة ) صادقين ) أي عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم .
ولما أبطل سبحانه وتعالى قولهم في الأصنام بعدم قدرتها على إتيان شيء من ذلك لأنها من جملة مخلوقات في الأصل ، أتبعه إبطاله بعدم علمها ليعلم قطعاً أنهم أضل الناس حيث ارتبطوا في أجل الأشياء - وهو أًول الدني - بما لا دليل عليه أصلاً ،

الصفحة 117