كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 123
ولما أثبت أنه من عند الله بشهادة الله نفسه بعجزهم عن المعارضة ، قبح عليهم إصرارهم على التكذيب على تقدير شهادة أحد ممن يثقون بهم يسألونهم عنه من أهل الكتاب فقال تعالى : ( قل أرءيتم ) أي أخبروني وبينوا لي وأقيموا ولو ببعض حجة أو برهان ) إن كان ) أي هذا الذي يوحى إليّ وآتيكم به وأنذركم وأعلمكم أنه من الله فإنه ) من عند الله ) أي الملك الأعظم .
ولما كان مقصود السورة إنذار الكافرين الذين لا ينظرون في علم ، بل شأنهم تغطية المعارف والعلوم ، عطف بالواو الدالة على مطلق الجميع الشامل لمقارنة الأمرين المجموعين من غير مهلة فيدل على الإسراع في الكفر من غير تأمل قال : ( وكفرتم به ) أي على هذا التقدير ) وشهد شاهد ) أي واحد وأكثر ) من بني إسرائيل ( الذين جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم ) على مثله ) أي مثل ما في القرآن من أن من وحد فقد آمن ، ومن أشرك فقد كفرن وأن الله أنزل ذلك في التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم ، فطابقت عليه كتبهم ، وتظافرت به رسلهم ، وتواتر على الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام ، ثم سبب عن شهادته وعقب وفصل فقال : ( فآمن ) أي هذا الذي شهد هذه الشهارة بهذا القرآن عندما رآه مصدقاً لما ذكر وعلم أنه الكتاب الذي بشرت به كتبهم ، فاهتدى إلى وضع الشيء في محله فوضعه ولم يستكبر .
ولما كان الحامل لهم بعد هذه الأدلة على التمادي على الكفر إنما هو الشماخة والأنفقة قال : ( واستكبرتم ) أي أوجدتم الكبر بالإعراض عنه طالبين بذلك الرئاسة والفخر والنفاسة ، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من غير شبهة أصلاً فضللتم فكفرتم فوضعتم الشيء في غير موضعه فانسد عليكم باب الهداية .
ولما كانوا يدعون أنهم أهدى الناس وأعدلهم ، وكان من رد شهادة الخالق والخلق ظالماً شديد الظلم ، فكان ضالاً علىعلم ، قال الله تعالى مستأنفاً دالاً على أن تقدير الجواب : أفلم تكونوا بتخلفكم عن الإيمان بعد العلم قد ظلمتم ظلماً عظيماً بوضع الكفرن موضع الإيمان ، فتكونوا ضالين تاركين للطريق الموصل على عمد ) إن الله ) أي الملك الأعظم ذا العزة والحكمة ) لا يهدي القوم ) أي الذين لهم قدرة على القيام بما يريدون محاولته ) الظالمين ) أي الذين من شأنهم وضع الأمور غير مواضعها ، فلأجل ذلك لا يهديكم لأنه لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي تسبب عنه ضلالكم ، أما من كان منكم عالماً فالأمر فيه واضح ، وأما من كان منكم جاهلاً فهو كالعالم لعدم تدبره مثل هذه الأدلة التي ما بين العالم بلسان العرب وبين انكشافها له إلا تدبها مع ترك الهوى ، وقال الحسن - كما نقله البغوي - الجواب : فمن أضل منكم كما قال في

الصفحة 123