كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 128
لما يحملانه عليه من نتائج الشهوات ونوازع الغضب والبطالات ، عبر بما يدل على القحط والشؤم والضيق تنبيهاً على ذلك ، فقال شارحاً للستواء ومعبراً عنه : ( وبلغ أربعين سنة ( فاجتمع أشده وتم حزمه وجده ، وزالت عنه شرة الشباب وطيش الصبا ورعونة الجهل ، ولذلك كان هذا السن وقت بعثة الأنبياء ، وهو يشعر بأن أوقات الصبى أخف في المؤاخذة مما بعدها وكذا ما بين أول الأشد والأربعين ) قال ( إن كان محسناً قابلاً لوصية ربه : ( رب ) أي أيها المحسن إليّ بالإجياد وتيسير الأبوين وغيرهما وتسخيره ) أوزعني ) أي اجعلني أطيق ) أن أشكر نعمتك ) أي وازعاً للشكر أي كافاً مرتبطاً حتى لا يغلبني في وقت من الأوقات ، وذلك الشكر بالتوحيد في العبادة كما أنه يوحد بنعمة الإيجاد والترزيق ، ووحدها تعظيماً للأمر بالإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يبلغ شكرها إلا بمعونة الله مع أن ذكر الأبوين يعرف أن المراد بها الجنس .
ولما كان ربما ظن ظان أن المراد بنعمته قدرته على الإنعام ليكون المعنى : أن أشكر لك لكونك قادراً على الإنعام ، قال : ( التي أنعمت عليّ ) أي بالفعل لوجوب ذلك عليّ لخصوصه بي ) وعلى والديّ ( ولو بمطلق الإيجاد والعافية في البدن ، لأن النعمة عليهما نعمة عليّ ، وقد مضى في النمل ما يتعين استحضاره هنا ولما كان المقصود الأعظم من النعمة الماضية نعمة الإيجاد المراد من شكرها التوحيد ، أتبعها تمام الشكر فقال ، ) وأن أعمل ) أي أنا في خاصة نفسي ) صالحاً ( .
ولما كان الصالح في نفسه قد يقع الموقع لعدم الإذن فيه قال : ( ترضاه ( والتنكير إشارة إلى العجز عن بلوغ الغاية فإنه لن يقّدر الله حق قدره أحد .
ولما دعا لنفسه بعد أن أوصى برعاية حق أبيه ، لقنه سبحانه الدعاء لمن يتفرع منه ، حثاً على رعاية حقوقهم لئلا يسلطهم على عقوقه فقال : ( وأصلح ) أي أوقع الإصلاح ، وقال : ( لي في ذريتي ( لأن صلاحهم يلحقه نفعه ، والمراد بقصر الفعل وجعلهم ظرفاً له أن يكون ثابتاً راسخاً سراياً فيهم وهم محيطون به فيكونوا صالحين .
ولما استحضر عند كمال العقل في الأربعين أن ما مضى من العمر كان إغلبه ضائعاً فدعا ، وكان من شرط قبول الدعاء التوبة ، علله بقوله : ( إني تبت ) أي رجعت ) إليك ) أي عن كل ما يقدح في الإقبال عليك ، وأكده إعلاماً بأن حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع فينكر إخباره به ، وكذا قوله : ( وإني من المسلمين ) أي الذين أسلموا ظواهرهم وبواطنهم لك فانقادوا أتم انقياد وأحسنه .
ولما وصف هذا المؤمن بادئاً به لكونه في سياق الإحسان ، وكان المراد بالإنسان

الصفحة 128