كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 139
تعليق الهمم به من أمور الدنيا حتى فاقوا في ذلك الأمم وعملوا أعمال من تخلد كما قيل :
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولما ذكر نفي الإناء ، ذكر ظفره على وجه يفهم التعليل ، فإنه إذا ذكر الانتقام في وقت فعل الشيء علم أن علته فعل ذلك الشيء فقال : ( إذ كانوا ) أي طبعاً لهم وخلقاً ) يجحدون ) أي يكررون على مر الزمان الجحد ) بآيات الله ) أي الإنكار لما يعرف من دلائل الملك الأعظم ) وحاق ) أي أحاط على جهة الأحراق والعظم بأمور لكونه خلقاً وجه المخلص منها ) بهم ما ) أي عقاب الذي ) كانوا ( على جهة الدوام لكونه خلقاً لهم ) به يستهزءون ) أي يوجدونه على سبيل الاستمرار إيجاد من هو طالب له عاشق فيه .
ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم ، أتبعهم من كان مشاركاً لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك ، فقال مكرراً لتخويفهم دالاً على إحاطة قدرته بإحاطة علمه ، ) ولقد أهلكنا ( بما لنا من العظمة والقدرة المحيطتين الماضيتين بكل ما نريد ) ما حولكم ) أي يا أهل مكة ) من القرى ( كأهل الحجر وسبا ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس وثمود وغيرهم ممن فيهم معتبر ، ولما كان الموعوظ به الإهلاك ذكر مقدماً ، فتشوف السامع إلى السؤال عن حالهم في الآيات فقال عاطفاً بالواو التي لا يمنع معوطفها التقدم على ما عطف عليه : ( وصرفنا الآيات ) أي حولنا الحجج البينات وكررناها موصلة مفصلة مزينة محسنة على وجوه شتى من الدلالات ، خالصة عن كل شبهة .
ولما كان تصريف الآيات لا يخص أحداً بعينه ، بل هو لكل من رآه أو سمع به لم يقيدها بهم وذكر العلة الشاملة لغيرهم فقال : ( لعلهم ) أي الكفار ) يرجعون ) أي ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات حال من يرجع عن الغي الذي كان يركبه لتقليد أو شبهة كشفته الآيات وفضحته الدلالات فلم يرجعوا ، فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكنا لهم .
ولما كانوا قد جعلوا محط الهم في الشركاء أنهم سبب التواصل بينهم والتفاوت ، وادعوا أنهم يشفعون فيهم فيقربونهم إلى الله زلفى ويمنعونهم من العذاب في الآخرة ، وكان أددنى الأمور التسوية بينه وبين عذاب الدنيا ، سبب عن أخباره عن إهلاك الأمم الماضية قوله مقدماً للعلة التي جعلها محط نظرهم منكراً عليهم موبخاً لهم :