كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 154
إدخالهم إياها وكيفيتها عند ذلك بقوله تعالى : ( عرفها لهم ) أي بتعريف الأعمال الموصلة إليها والتوفيق لهم إليها في الدنيا وأيضاً بالتبصير بالمنازل في الآخرة حتى أن أحدهم يصير أعرف بمنزله فيها منه بمنزله في الدنيا ، وطيب رائحتها وجعل موضعها عالياً وجدرانها عالية وهي ذات أغراف وشرف ، وفي هذه الآية بشرى عظيمة لمن جاهد ساعة ما بأن الله يميته على الإسلام المستلزم لئلا يضيع له عمل ، ويؤيده ما رواه الطبراني في الكبير عن فضلاة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( للإسلام ثلاث أبيات : سفلى وعليا وغرفة ، فأما السفلى فالإسلام دخل فيه عامة المسلمين فلا تسأل أحداً منهم إلا قال : أنا مسلم ، وأما العليا فتفاضل أعمالهم بعض المسلمين أفل من بعض ، وأما الغرفة العليا فالجهاد في سبيل الله لا ينالها إلا أفضلهم ) .
ولما ذكر القتال ، تشوف السامع إلى حال المقاتل من النصر والخذلان فأجاب بما يعرف بشرط النصر فقال : ( يا أيها الذين آمنوا ) أي أقروا بذلك وإن كان في أدنى الدرجات بما أشعرت به أداة البعد والصلة بالماضي ) إن تنصروا الله ) أي يتجدد لكم نية مستمرة وفعل دائم على نصرة دين الملك الأعظم بإيضاح أدلته وتبيينها وتوهية شبه أهل الباطل وقتالهم ، ويكون ذكل خالصاً له لا لغيره من النيات الفاسدة المعلولة بطلب الدنيا أو الشهرة بالشجاعة والعلم وطيب الذكر الغضب للأهل وغير ذلك ) ينصركم ( فإنه الناصر لا غيره من عدد أو عدد فيقمع أعداء الدين بأيديكم .
ولما كان النصر قد يكون مع العجز والكسل والجبن والفشل بين أنه يحميهم من ذلك فقال : ( ويثبت أقدامكم ) أي تثبيتاً عظيماً بأن يملأ قلوبكم سكينة واطمئناناً وأبدانكم قوة وشجاعة في حال القتل ووقت البحث والجدال ، وعند مباشر جميع الأعمال ، فتكونوا عالين قاهرين في غاية ما يكون من طيب النفوس وانشراح الصدور ثقة بالله واعتزازاً به وإن تملأ عليكم أهل الأرض .
ولما ذكر أهل الإيمان ، بين ما لأهل الكفران ، فقال سبحانه : ( والذين كفروا ) أي ستروا ما دل عليه العقل وقادت إليه الفطر الأولى ، وبين أن سوء أعمالهم أسباب وبالهم بالفاء .
فقال مؤكداً بجعل الخبر مفعولاً مطلقاً لأجل استبعادهم بما لهم من القوة

الصفحة 154