كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 164
ولما دل ذلك على مزيد القرب ، وكان مجيء علامات الشيء أجل على قربه مع الدلالة على عظمته ، قال معللاً للبغتة : ( فقد ( ودل على القوة بتذكير الفعل فقال : ( جاء أشراطها ) أي علاماتها المنذرات بها من مبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها وغير ذلك ، وما بعد مقدمات الشيء إلا حضوره .
ولما كان المجيء من أهوالها تذكرها قبل حلولها للعمل بما يقتضيه التذكر ، وكانت إذا جاءت شاغلة عن كل شيء ، سبب عن مجيئها قوله تعالى : ( فأنّى ) أي فكيف ومن أين ) لهم إذا جاءتهم ) أي الساعة وأشراطها المعينة لها مثل طلوع الشمس من مغربها ) ذكراهم ( لأنهم في أشغل الشغل ولو فرغوا لما تذكروا فعملوا ما أفاد لفوات وقت الأعمال وشرطها ، وهو العمل على الإيمان بالغيب ، وهكذا ساعة الإنسان التي تخصه وهي موته وأشراطها الجاثة على الذكرى وهو المرض والشيب ونحو ذلك ، ومن أشراطها المعينة لها التي لا ينفع معها العمل الوصول إلى حد الغرغرة .
ولما علم بذلك أن الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها ، سبب عنه أمر أعظم الخلق وأشرفهم وأرقاهم وأجملهم ( صلى الله عليه وسلم ) تكويناً ليكون لغيره تكليفاً فقال تعالى : ( فاعلم أنه ) أي الشأن الأعظم الذي ) لا إله إلا الله ) أي انتفى انتفاء عظيماً أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم ، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة ، وإنما تكون عالماً إذا كان نافعاً وإنما يكون نافعاً إذا كان مع الإذعان والعمل بما يقتضيه وإلا فهو جهل صرف ، وهذا العلم يفيد أنه لا بد من قيام الساعة لأن الإله وعد بذلك وهو متصف بالكمال ولا شريك له يمنعه من إنجاز وعده .
قال القشيري : والبعد يعلم أولاً ربه بدليل وبحجة فعلمه بنفسه ضروري وهذا هو أصل الأصول ، وعليه بني كل علم استدلالي ، ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وكثرة الحجج وتناقص علمه بنفسه بغلبات ذكره لله بقلبه ، فإذا انتهى إلى حال المشاهدة واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضرورياً ويقل إحساسه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال وكأنه غافل عن نفسه أو ناس لنفسه ، ويقال : الذي رأى البحر غلب عليه ما يأخذه في الرؤية للبحر عن ذكر نفسه فإذا ركب البحر قوي هذا الحال ، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو