كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 173
مقطوعة عن جميع أسبابهم وأنسابهم فلم ينفعهم تقاعدهم عن الجهاد في تأخير آجالهم ، وصور حالهم وقت توفيهم فقال : ( يضربون ) أي يتابعون في حال التوفية ضربهم ) وجوههم ( التي هي أشرف جوارحهم التي جنبوا عن الحرب صيانة لها عن ضرب الكفار .
ولما كان حالهم في جبنه مقتضياً لضرب الأقفاء ، صوره بأشنع صوره فقال : ( وإدبارهم ( التي ضربها أدل ما يكون على هوان المضروب وسفالته ثم تتصل بعد ذلك آلآمهم وعذابه وهوانهم إلى ما لا آخر له .
ولما كان كفران النعيم يوجب مع إحلال النعم إبطال ما تقدم من الخدم قال : ( ذلك ) أي الأمر العظيم الإهانة من فعل رسلنا بهم ) بأنهم اتبعوا ) أي عالجوا فطرهم الأولى في أن تبعوا عناداً منهم ) ما أسخط الله ) أي الملك الأعظم وهو العمل بمعاصيه من موالاة أعدائه ومناواة أوليائه وغير ذلك .
ولما كان فعل ما يسخط قد يكون مع الغفلة عن أنه يسخط ، بين أنهم ليسوا كذلك فقال تعالى : ( وكرهوا ) أي بالإشراك ) رضوانه ( بكراهتهم أعظم أسباب رضاه وهو الإيمان ، فهم لما دونه بالقعود عن سائر الطاعات أكره ، لأن ذلك ظاهر غاية الظهور في أنه مسخط ففاعله مع ذلك غير معذور في ترك النظر فيه ) فأحبط ) أي فلذلك تسبب عنه أنه أفسد ) أعمالهم ( الصالحة فأسقطها بحيث لم يبق لها وزن أصلاً لتضييع الأساس من مكارم الأخلاق من قرى الضيف والأخذ بيد الضعيف والصدقة والإعتاق وغير ذلك من وجوه الإرفاق .
ولما صور سبحانه ما أثرته خيانتهم بأقبح صوره ، فبان به أنه ما حملهم على ما فعلوه إلا جهلهم وسفاهتهم ، فأنتج إهانتهم بالتبكيت فقال عاطفاً على ما تقديره : أعلموا حين قالوا ما يسخطنا أنا نعلم سرهم ونجواهم ، وإن قدرتنا محيطة بهم ليكونوا قد وطنوا أنفسهم على أنا نظهر للناس ما يكتمونه نأخذهم أخذاً وبيلاً فيكونوا أجهل الجهلة : ( أم ( حسبوا لضعف عقولهم - بما أفهمه التعبير بالحسبان - هكذا كان الأصل ، ولكنه عبر بما دل على الآفة التي أدتهم إلى ذلك فقال تعالى : ( حسب الذين في قلوبهم ( التي إذا فسدت فسد جميع أجسادهم ) مرض ) أي آفة لا طب لها حسباناً هو في غاية الثبات بما دل عليه التأكيد في قوله سبحانه وتعالى : ( أن لن يخرج الله ) أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين رضوان الله عليهم على سبيل التجديد والاستمرار ) أضغانهم ) أي ميلهم وما يبطنونه في دواخل أكشحهم من اعوجاجهم الدال على أحقادهم ، وهي أنهم كاتمون عداوة في قلوبهم مصرون عليهم يترقبون الدوائر لانتهاز فرصتها ، ليس الأمر كما توهموا بل الله يفضحهم ويكشف تلبيسهم .

الصفحة 173