كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 178
منهما مستقل بامتثال أمره واجتناب نهيه : غحدهما عدم المغفرة ، والثانية بطلان الأعمال والأموال بكون الدنيا لا حقيقة لها ، وقدم الأولى لأن الثانية - وهي أن الدنيا لعب - كالعلة الحاصلة على ما أوجبها ، ومن حسن التعليم بيان الحكم ثم تعليله بأقرب ما يحمل عليه أو يصد عنه ، فكأنه قيل : لا تبطلوها بالصد عن سبيل الله الحامل عليه الإقبال على الدنيا التي هي عين الباطل ، فإنكم إن فعلتم ذلك فاتتكم المغفرة ، وذلك من معنى قوله تعالى مؤكداً لإنكارهم مضمونه : ( إن الذين كفروا ) أي أوقعوا الكفر بفعلهم فعل الساتر لما دله عليه عقله من آيات الله المرئية ثم المسموعة ) وصد وا عن سبيل الله ) أي طريق الملك الأعلى الواضح المستقيم الموصل إلى كل ما ينبغي أن يقصد كل من أراده بتماديهم على باطلهم وأذاهم لمن خالفهم .
ولما كان هذا أمراً قبيحاً منجهات عديد لما فيه من مخالفة الملك الأعظم المرهوب بطشه المحذورة سطوته ، ومن ترك الواسع إلى الضيق والمستقيم إلى المعوج والموصل إلى الفوز إلى الموصل إلى الخيبة ، فكان التمادي فيه في غاية البعد ، نبه على ذلك بأداة التراخي فقال : ( ثم ماتوا ) أي بعد المدلهم في مضمارهم بالتطويل في أعمارهم ) وهم ) أي والحال أنهم ) كفار ( ولما كان السبب الأعظم في الإحباط الموت على الكفر ، نبه عليه بالفاء الدالة على ربط الجزاء بالشرط وتسببه عنه فقال مؤكداً له لإنكارهم ذلك : ( فلن يغفر الله ) أي المحيط بجميع صفات الكمال التي تمنع من تسوية المسيء بالمحسن ) لهم ( فلا يمحو ذنوبهم ولا يستر عيوبهم ، بل يفضح سرائرهم ويوهن كيدهم ويردهم على أعقابهم في كل ما يتقلبون فيه لأنهم قد أبطلوا أعمالهم بالخروج عن دائرة الطاعة ، فمل يبق لهم ما يغفر لهم بسببه ، وقد دلت هذه الآية على ما دلت عليه آية البقرة من أن إحباط العمل في المرتد مشروط بالموت على الكفر .
ولما قدم سبحانه ذم الكفرة وأنه عليهم وأنه يبطل أعمالهم في الدنيا في الحرب وغيرها ، وختم بأن عداوته لهم متحتمة لا انكفاك لها ، وكان ذلك موجباً للاجتراء عليهم ، سبب عنه قوله مرغباً لهم في لزوم الجهاد محذراً من تركه : ( فلا تهنوا ) أي تضعفوا ضعفاً يؤدي بكم إلى الهوان والذل ) وتدعوا ) أي أعداءكم ) إلى السلم ) أي المسالمة وهي الصلح ) وأنتم ) أي والحال أنكم ) الأعلون ( على كل من ناواكم لأن الله عليهم ، ثم عطف على الحال قوله : ( والله ) أي الملك الأعظم الذي لا يعجزة شيء ولا كفوء له ) معكم ) أي بنصره ومعونته وجميع ما يفعله الكرمي إذا كان مع غيره ، ومن علم أن سيده معه وعلم أنه قادر على ما يريد لم يبال بشيء أصلاً ) ولن يتركم أعمالكم ) أي فيسلبكموها فيجعلكم وتراً منها بمعنى أنه يبطلها كما يفعل مع أعدائكم

الصفحة 178