كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 181
يحب لذاته بل لفائدته ، وحفظ المروءة أعظم وأفضل وأقوى من التنعم بالأكل الكثير مثلاً .
ولما أخبر ببخلهم لو سئلوا جميع أموالهم أو أكثرها ، دل عليه بمن يبخل منهم عما سأله منهم وهو جزء يسير جداً من أموالهم ، فقال منبهاً لهم على حسن تدبيره لهم وعفوه عنهم عند من جعل ( ها ) للتنبيه ، ومن جعل الهاء بدلاً من همزة استفهام جعلها للتوبيخ والتقريع ، لأن من حق من دعاه مولاه أن يبادر للإجابة مسروراً فضلاً أن يبخل ، وفي هاء التنبيه ولا سيما عند من يرى تكررها تأكيد لأجل استبعادهم أن أحداً يبخل عما يأمر الله به سبحانه : ( هأنتم ( وحقر أمرهم أو أحضره في الذهن وصوره بقوله : ( هؤلاء تدعون ) أي إلى ربكم اذي لا يريد بدعائكم إلا نفعكم وأما هو فلا يلحقه نفع ولا ضر ) لتنفقوا ( شيئاً يسيراً من الزكاة وهي ربع العشر ونحوه ، ومن نفقة الغزو وقد يحصل من الغنيمة أضعافها وقد يحصل من المتجر أو أكثر ، وقد عم ذلك وغيره قوله : ( في سبيل الله ) أي الملك الأعظم الذي يرجى خيره ويخشى ضيره ، بخلاف من يكون وما يكون به اللهو اللعب .
ولما أخبر بدعائهم ، فصلهم فقال تعالى : ( فمنكم ) أي أيها المدعون ) من يبخل ( وهو منكم لا شك فيه ، وحذف القسم الآخر وهو ( ومنكم من يجود ) لأن المرا الاستدلال على ما قبله من البخل .
ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ليقع المطلوب منه فقط زاد العجب بقوله : ( ومن ) أي والحال أنه من ) يبخل ( بذلك ) فإنما يبخل ) أي بماله بخلاً صادراً ) عن نفسه ( التي هي منبع الدنايا ، فلا تنفس ولا تنافس إلا في الشيء الخسيس ، فإن نفع ذلك الذي طلب منه فبخل به إنما هو له ، وأكده لأنه لا يكاد أحد يصدق أن عاقلاص يتجاوز بماله عن نفع نفسه ، ولذا حذف ( ومن يجد فإنما يجد على نفسه ) لفهمه عن السياق واستغناء الدليل عنه ، هذا والأحسن أن يكون ( يبخل ) متضمناً ( يمسك ) ثم حذف ( يمسك ) ودل عليه بحال محذوفة دل عليها التعدية بعن .
ولما كان سؤال المال قد يوهم شيئاً ، قال مزيلاً له مقرراً لأن بخل الإنسان إنما هو عن نفسخه عطفاً على ما تقديره : لأن ضرر بخله إنما يعود عليه وهو سبحانه لم يسألكم ذلك لحاجته إليه ولا إلى شيء منكم ، بل لحاجتكم إلى الثواب ، وهو سبحانه قد بنى أمور هذه الدار كما اقتضته الحكمة على الأسباب : ( والله ) أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ) الغني ) أي وحده ) وأنتم ( أيها المكلفون خاصة ) الفقراء ( لأن العطاء ينفعكم والمنع يضركم .
فمن افتقر منكم إلى فقير مثله وقع