كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 182
في الذل والهوان ، وقد جرت عادتكم أن يداخلكم من السرور ما لا يجد إذا طلب من أحد منكم أحد من الأجواد الأغنياء شيئاً طمعاً في جزائه ، فكونوا كذلك وأعظم إذا طلب منكم الغنى المطلق .
ولما كان التقدير : فإن تقبلوا بنولكم تفلحوا عطف عليه قوله مرهباً لأن الترهيب أردع : ( وإن تتولوا ) أي توقعوا التولي عنه تكلفوا أنفسكم ضد ما تدعو إليه الفطرة الأولى من السماح بذلك الجزاء اليسير جداً الموجب للثواب الخطير والفوز الدائم ، ومن الجهاد في سبيله ، والقيام بطاعته ، لكونه المحسن الذي لا محسن في الحقيقة غيره ) يستبدل ) أي يوجد ) قوماً ( فيهم قوة وكفاية لما يطلب منهم محاولته .
ولما كان ذلك مفهماً أنهم غيرهم ، لكنه لا يمنع أن يكونوا - مع كونهم غير أعيانهم - من قومهم أو أن يشأ دونهم في الصفات وإن كانوا من غير قومهم ، نبه على أنهم يكونون من غير قومهم وعلى غير صفاتهم ، بل هم أعلى منهم درجة وأكرم خليقة وأحسن فعلاً فقال تعالى : ( غيركم ) أي بدلاً منكم وهو على غير صفة التولي .
ولما كان الناس متقاربين في الجبلات ، وكان المال محبوباً ، كان من المستبعد جداً أن يكو نهذا البذل على غير ما هم عليه ، قال تعالى مشيراً إلى ذلك بحرف التراخي تأكيداً لما أفهمه ما قلته من التعبير ب ( غير ) وتثبيتاً له : ( ثم ) أي بعد استبعاد من يستبعد وعلوا الهمة في مجاوزة جميع عقبات النفس والشيطان : ( لا يكونوا أمثالكم ( في التولي عنه بترك شيء مما أمر به أو فعل شيء مما نهى عنه ، ومن قدر على الإيجاد قدر على الإعدام .
بل هو أهون في مجاري العادات ، فقد ثبت أنه سبحانه لو شاء لانتصر من الكفار ، إما بإهلاكهم أو إما بناس غيركم بضرب رقابهم وأسرهم ، وغير ذلك من أمرهم ، وثبت بمواصلة ذم الكفار مع قدرته عليهم أنه أبطل أعمالهم ، فرجع بذلك أول السورة غلى آخرها ، وعانق موصله ما ترى من مفصلها ، وعلم أن معنى هذا الآخر وذلك الأول أنه سبحانه لا بد من إذلاله للكافرين وإعزازه للمؤمنين لأنهم إن أقبلوا على ما يرضيه فجاهدوا نصرهم نصراً عزيزاً بما ضمنه قوله تعالى ) إن تنصروا الله ينصركم وثبت أقدامكم ( وإن تتولوا أتى بقوم غيركم يقبلون عليه فيصدقهم وعده ، فصار خذلانهم أمراً متحتماً ، وهو معنى أول سورة محمد - والله الموفق لما يريد من الصواب .
.. .