كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 196
ولما ذكر سبحانه وتعالى أهل بيعة الرضوان ، وأضافهم إلى حضرة الرحمن ، تشوف السامعإلى الخبر عمن غاب عن ذلك الجناب ، وأبضأ عن حضرة تلك العمرة ، فاستؤنف الإخبار عما ينافقون به بقوله تعالى : ( سيقول ) أي بوعد لا خلف فيه ، وأكد أمر نفاقهم تنبيهاً على جلدهم فيه ووقاصهم به ولطف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وشدة رحمته ورفقه وشفقته فقال : ( لك ) أي لأنهم يعلمون أنك ألطف الخلق عشرة وأعظمهم شفقة على عباد لله ، فهم يطمعون في قبولك من فساد عذرهم ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين ، وغاب عنهم - لما عندهم من غلظ الأكباد أن الكذب بحضرتك في غاية القباحة لأنك أعظم الخلق وأفطنهم ، مع يأتيك من الأنباء عن علام الغيوب ، وحقر أمرهم بسلب العقل عنهم وجعلهم مفعولين الفاعلين إشارة إلى أنهم طردوا عن هذا المقام ، لأنهم أشار لئام ، فقال تعالى ) المخلفون ) أي الذين - خلفهم الله عنك ولم يرضهم لصحبتك في هذه العمرة ، فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان ، لأنه لا فائدة فيه فلا يؤبه له ولا يعبأ به ، وذلك إنه ( صلى الله عليه وسلم ) لما أراد الاعتمار ندب أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لذلك ، وندب من الأعراب الذين حول المدينة الشريفة من كان قد أقر بالإسلام ، فمل يرد الله حضورهم لأن إسلامهم لم يكن خالصاً فلو حضروا لفسد بهم الحال ، وإن حفظ الله بحوله وقوته من الفساد ، أعقب ذلك فساداً آخر وهو أن يقال : إنه لم يكف عنهم الأعداء إلا الكثرة ، فتخلفوا لماعلم الله في تخلفهم من الحكم .
ولما كان قد تخلف بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم من كان حاضراً معه ( صلى الله عليه وسلم ) بالقلب أخرجهم بقوله : ( من الأعراب ) أي أهل البادية كذباً وبهتاناً جرأة على الله ورسوله ) شغلتنا ) أي عن إجابتك في هذه العمرة ) أموالنا وأهلونا ) أي لأنا لو تركناها ضاعت ، لأنه لم يكن لنا من يقوم بها وأنت قد نهيت عن إضاعة المال والتفريط في العيال ، ثم سببوا عن هذا القول المراد به السوء قولهم : ( فاستغفر ) أي اطلب المغفرة ) لنا ( من الله إن كنا أخطأنا أو قصرنا .
ولما كان هذا ربما يغتر به من لا خبرة له ، رده تعالى بقوله منبهاً على أن من صدق مع الله لم يشغله عن شاغل ، ومن شغله عنه شيء كان شوماً عليه : ( يقولون ( وعبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا ديدن لهم لا ينفكون عنه .
ولما صح بعد ذلك إيمان ، لم يعبر بالأفواه دأبه ، في المنافقين ، بل قال : ( بألسنتهم ) أي في الشغل والاسغفار ، وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ظاهري نفياً للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله : ( ما ليس في قلوبهم ( لأنهم لم يكن شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار .