كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 202
كلاًّ منهم تقبل منه الجزية ، وتأويله بأنه إسلام لغوي لا داع له مع إمكان الحقيقة ، وقد كان ما أشار إليه التقسيم فإنهم لما دعوا إليهم انقسموا إلى مجيب وهم الأكثر ، وقد آتاهم الله الأجر الحسن في الدنيا بالغنيمة والذكر الجميل وهو المرجو في الآخرة ، ومرتد وهم قليل وقد أذاقهم الله العذاب الأليم في الدنيا بالقتل على أقبح حال ، وهو يذيقهم في الآخرة أعظم النكال ، وأما قتال غي العرب فأطاع فيه الكل ولم يحصل فيه ما أشير إليه من التقسيم ، فتحقق بهذا أنهم أهل الردة - والله الموفق ، ولذلك سبب عن دعوة الحق قوله مردداً القول في حالهم مبهماً له إشارة إلى أنهم عند الدعاء ينقسمون إلى مقبل ومتول : ( فإن تطيعوا ) أي توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك ، وهو أبو بكر رضي الله عنه ) يؤتكم الله ) أي الذي له الإحاطة والقدرة على الإعطاء والمنع ، لا راد لأمره ) أجراً حسناً ( دنيا وأخرى ، جعل الله طاعة أبي بكر رضي الله عنه في هذا الأمر بالخصوص كطاعة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي طاعته طاعة الله ، جزاء له على خصوصه في مزيد تسليمه لما فعله النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من الصلح وثباته بما أجاب به عمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من غير أن يكون حاضراً له كما هو معلوم من السيرة .
ولما كانت مخالفة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ومن يقوم مقامه لا تكون إلا من منازعة في الفطرة الأولى ومعالجة لها ، عبر بالتفعل فقال : ( وإن تتولوا ( عن قبول دعوته عصياناً ) كما توليتم ) أي عالجتم أنفسكم وكلفتموها التولي بالتخلف عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) من قبل ) أي بعض الأزمان التي تقدمت على هذا الدعاء ، وذلك في الحديبية ) يعذبكم ) أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ) عذاباً أليماً ( لأجل تكرر ذلك منكم .
ولما توعد المتخلفين بتخلفهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم توعدهم في التقاعد عن هذا الإمام القائم بعده بالحق ، وكان أهل الأعذار لا يتيسر لهم ما أريد بهذا الدعاء ، وكان الدين مبنياً على الحنيفية السمحة ، استأنف قوله تعالى مسكناً لما اشتثاره الوعيد من روعهم : ( ليس على الأعمى ) أي في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أو مع غيره من أئمة الدعاء ) حرج ) أي ميل بثقل الإثم لأجل أن عماه موهن لسعيه وجميع بطشه ، ولأجل تأكيد المعنى تسكيناً لما ثار منروعة المؤمن كرر النافي والحرج في كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الأمر فقال : ( ولا على الأعرج ( وإن كان نقصه أدنى من نقص العمى ) حرج ( وجعل كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الحكم .
ولما ذكر هذين الأثرين الخاصين المزيد ضررهما في العاقة عن كمال الجهاد ، عم بقوله : ( ولا على المريض ) أي بأيّ مرض ) حرج ( فلم يخرج أهل هذه الأعذار الذين

الصفحة 202