كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 204
حالهم إعلاماً أنها سارة معجبة شديدة الرسوخ في الرضى فقال : ( يبايعونك ( في عمرة الحديبية لما صد المشركون عن الوصول إلى البيت ، فبعثت عثمان رضي الله عنه إليهم ليخبرهم بأنك لم تجىء لقتال وإنما جئت للعمرة ، فبلغك أنهم قتلوه فندبت إلى البيعة لمناجزتهم فبايعك كل من كان معك على أن لا يفروا لتناجز بهم القوم ؛ وزاد الأمر بياناً وقيده تفضيلاً لأهل البيعة بقوله : ( تحت الشجرة ( واللام للعهد الذهني ، وكانت شجرة في الموضع الذي كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نازلاً به في الحديبية ، ولأجل هذا الرضى سميت بيعة الرضوان ، وروى البغوى من طريق الثعلبي عن جابر رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ) .
ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم ، سبب عنه قوله : ( فعلم ) أي لما له من الإحاطة ) ما في قلوبهم ) أي من مطابقته لما قالوا بألسنتهم في البيعة ، وأن ما حصل لبعضهم من الاضطراب في قبول الصلح والكآبة منه إنما هو لمحبة الله ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وإيثار ما يريد من إعلاء دينه وإظهاره لا عن شك في الدين ، وسبب عن هذا العلم ترغيباً في مثل هذا المحدث عنهم قوله : ( فأنزل السكينة ) أي بثبات القلوب وطمأنيتها في كل حالة ترضي الله ورسوله ، ودل على عظمها بحيث إنها تغلب الخوف وإن عظم بقوله : ( عليهم ( فأثر ذلك أنهم لم يخافوا عاقبة القتال لما ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة الكفار كالشعرة لبيضاء في جنب الثور الأسود ، لا أثر الصلح بما يتراءى فيه من الضعف وغيره من مخايل النقص في قلوبهم في ذلك المقام الدحض والمواطن الضنك إلا ريثما رأوا صدق عزيمة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ومضى أمره في ذلك بما يفعل ويقول .
ولما ذكر منّه سبحانه وتعالى عليهم بما هو الأصل الذي لا يبنى إلا عليه ، أتبعه آثاره فقال : ( وأثابهم ) أي أعطاهم جزاء لهم على ما وهبهم من الطاعة والسكينة فيها جزاء ، مقبلاً عليهم ، يملأ مواضع احتياجهم ، هو أهل لأن يقصده الإنسان ويتردد في طلبه لما له من الإقبال والمكنة والشمول ) فتحاً ( بما أوقع سبحانه من الصلح المترتب على تعجيز قريش عن القتال ) قريباً ( بترك القتال الموجب بعد راحتهم وقوتهم وجمومهم لاختلاط بعض الناس ببعض فيدخل في الدين من كان مباعداً له لما يرى من محاسنه ، فسيكون الفتح الأعظم فتح المكة المشرفة الذي هو سبب لفتح جميع البلاد .

الصفحة 204