كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 207
ولما كان عدم نصرهم بعد التولية مستبعداً أيضاً لما لهم من كثرة الإمداد وقوة الحمية ، قال معبراً بأداة البعد : ( ثم ) أي بعد طول الزمان وكثرة الأعوان ) لا يجدون ( في وقت من الأوقات ) ولياً ) أي يفعل معهم فعل القريب من الحياطة والشفقة والحراسة من عظيم ما يحصل من رعب تلك التولية ) ولا نصيراً ( .
ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من الرسل وأتباعاً ، وأن جندنا لهم الغالبون ، قال تعالى : ( سنة الله ) أي سن المحيط بهذا الخلق في هذا الزمان وما بعده كما كان محيطاً بالخلق في قديم الدهر ، ولذلك قال : ( التي قد خلت ) أي سنة مؤكدة لا تتغير ، وأكد الجار لأجل أن القتال ما وقع الزمان الماضي إلا بعد نزول التوراة فقال : ( من قبل ( وأما قبل ذلك فإنما كان يحصل الهلاك بأمر من عند الله بغير أيدي المؤمنين ) ولن تجد ( أيها السامع ) لسنة الله ( الذي لا يخلف قولاً لأنه محيط بجميع صفات الكمال ) تبيدلاً ) أي تغيراً من مغير ما ، يغيرها بما يكون بدلها .
ولما تقرر أن الكفار مغلوبون وإن قاتلوا ، وكان ذلك من خوارق العادات مع كثرتهم دائماً وقلة المؤمنين حتى يأتي أمر الله موقعاً للعلم القطعي بأنه ما دبره إلا الواحد القهار القادر المختار ، عطف عليه عجباً آخر وهو عدم تغير أهل مكة في هذه العمرة للقتال بعد تعاهدهم وتعاقدهم عليه مع ما لهم من قوة العزائم وشدة الشكائم ، فقال عاطفاً على ما تقديره : هو الذي سن هذه السنة العامة : ( وهو الذي كف ) أي وحده من غير معين له على ذلك ) أيديهم ) أي الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم ، فإن الكل شرع واحد ) عنكم وأيديكم ( أيها المؤمنون ) عنهم ( .
ولما كان الكفار لو بسطوا أيديهم مع ما حتمه الله وسنه من تولية الكفار دخلوا مكة قال : ( ببطن مكة ) أي كائناً كل منكم ومنهم في داخل مكة هم حالاً وأنت مآلاً ، وعن القفال أنه قال : يجوز أن يراد به الحديبية لأنها من الحرم - انتهى .
وعبر بالميم دون الباء كما في آل عمران إشارة إلى أنه فعل هنا ما اقتضاه مدلول هذا الاسم من الجمع والنقض والتنقية ، فسبب لهم أسباب الاجتماعية والتنقية من الذنوب - بما أشارت إليه آية العمرة حالاً وآيات الفتح مآلاً ، ووفى بما يدل عليه اسمها من الأهل على خلاف القياس .
ولما كان هذا ليس مستغرقاً لجميع الزمان الآتي ، بل لا بد أن يبسط أيدي المؤمؤمنين بها يوم الفتح ، أدخل الجار فقال تعالى : ( من بعد أن أظفركم ) أي أوجد فوزكم بكل ما طلبتم منهم وجعل لكم الطول والعز ) عليهم ( وذلك فيما رواه أصحاب .