كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 216
ولما ذكر كثرة عبادتهم وأتبعها إخلاصهم فيها اهتماما به لأنه لا يقبل عملا بدونه ، دل على كثرتها بقوله : ( سيماهم ) أي علامتهم التي لا تفارقهم ) في وجوههم ( ثم بين العلامة بقوله : ( من أثر السجود ( فهي نور يوم القيامة - رواه الطبراني عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هذا مع ما لهم من مثل ذلك في الدنيا من أثر الخشوع والهيبة بحيث إنه إذا رئي أحدهم أورث لرائيه ذكر الله ، وإذا قرأ أورثت قراءته حزنا وخشوعا وإخباتا وخضوعا ، وإن كان رث الحال ردئ الهيئة ، ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من هيئة أثر السجود في جبهته ، فإذا ذلك من سيما الخوارج ، وفي نهاية ابن الأثير في تفسير الثفن ، ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه : رأى رجلا بين عينيه مثل ثفنة العنز ، فقال : لو لم يكن هذا لكان خيا يعني كان على جبهته أثر السجود ، وإنما كرهها خوفا من الرياء بها ، وقد روى صاحب الفردوس عن أنس رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود .
ولما أتم وصفهم بهذا الأمر الذي لا يقدر عليه أحد إلا من صفاء الله من جميع حظوظه وشهواته ، أشار إلى علوه فقال : ( ذلك ) أي هذا الوصف العالي جدا البديع المثال البعيد المنال ) مثلهم في التوراة ( فإنه قال فيها : أتانا ربنا من سببنا وشرق لنا من جبل ساعير ، وظهر لنا من جبل فاران ، معه ربوات الأطهار على يمنه ، أعطاهم وحببهم إلى الشعوب وبارك على جميع أطهاره وهم يتبعون آثارك. فظهوره من فاران صريح في نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فإنه لم يأت منها - وهي جبال مكة باتفاقهم - بعد نزول التوراة بالنبوة غيره ( صلى الله عليه وسلم ) ، وربوات الأطهار إشارة إلى كثرة أمته ، وأنهم في الطهارة كالملائكة ، وأيه ذلك جعلهم من أهل اليمين ، ووصفهم بالتحبيب إلى ىالشعوب ، فكل ذلك دال على ما وصفوا به منا من شهادة الوجود - هذا مع ما وجدته في التوراة بعد تبديلهم لما بدلوا منها وإخفائهم كما قال الله تعالى لكثير ، وروى أصحاب فتوح البلاد في فتح بيت المقدس من كعل الأحبار أن سبب إسلامه أن أباه كان أخبره أنه ذخر عنه ورقتين جعلهما في كوة وطين عليهما ، وأمره أن يعمل بهما بعد موته ، قال : فلما مات فتحت عنهما فإذا فيهما : محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده مولده بمكة ومهاجره بطيبة ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي السيئة بالسيئة ، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ويصفح ، وإن أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل