كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 226
لهم أن يكلموك حتى تفرغ لهم فتقصدهم فإنك لا تفعل شيئاً في غير حينه بمقتضى أمر الرسالة ) لكان ) أي الصبر .
ولما كان العرب أهل معال فهم بحيث لا يرضون إلا الأحسن فقال : ( خيراً لهم ) أي من استعجالهم في إيقاظك وقت الهاجرة وما لو قرعوا الباب بالأظافير كما كان يفعل غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا على تقدير أن يكون ما ظنوا من أن فيه خيراً فكانوا يعقلون ، ففي التعبير بذلك مع الإنصاف بل الإغضاء والإحسان هز لهم إلى المعالي وإرشاد إلى ما يتفاخرون به من المحاسب ، قال الرازي : قال أبو عثمان : الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى والخير في الأولى والعقبى - انتهى .
وأخيرية صبر في الدين معروفة ، وأما في الدنيا فإنهم لو تأدبوا لربهم زادهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الفضل فأعتق جميع سبيهم وزادهم ، والآية في الاحتباك : حذف التعليل بعدم الصبر أولاً لما دل عليه ثانياً ، والعقل ثانياً لما دل عليه من ذكره أولاً .
ولما ذكر التقدير تأديباً لنا وتدريباً على الصفح عن الجاهل وعذره وتعليمه : ولكنهم لم يصبروا وأساؤوا الأدب فكان ذلك شراً لهم والله عليم بما فعلوا حليم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة لإساءتهم الأدب على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، عطف عليه استعطافاً لهم مع إفهامه الترهيب : ( والله ) أي المحيط بصفات الكمال ) غفور ) أي ستور لذنب من تاب من جهله ) رحيم ( يعامله معاملة الراحم فيسبغ عليه نعمه .
ولما تابوا ، أعتبهم الله في غلظتهم على خير خلقه أن جعلهم أغلظ الناس على شر الناس : الدجال ، فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( إنهم أشد الناس عليه ) .
ولما أنهى سبحانه ما أراد من النهي عن أذى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في نفسه ، وكان من ذلك أذاه في أمته ، فإنه عزيز عليه ما عنتوا وكان من آذاه فيهم فاسقاً ، وكان أعظم الأذى فيهم ما أورث كرباً حرباً ، وكان ربما اتخذ أهل الأغراض هذه الآدب ذريعة إلى أذى بعض المسلمين فقذفوهم بالإخلال بشيء منها فوقعوا هم فيها فيما قذفوا به غيرهم من الأخلال بحقه والتقيد بولائه ورقه ، وكان لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الأخلاق الطاهرة والمالي الظاهرة ما يؤمن معه أن يوقع شيئاً في غير محله ، أن يأمر بأمر من غير حله - هذا مع ما له من العصمة ، قال منبهاص على ما في القسم الثالث من مكارم الأخلاق من ترك العجز بالاعتماد على أخبار الفسقة ، تخاطباً لكل من أقر بالإيمان على طريق الاستنتاج مما مضى ، نادباً إلى الاسترشاد بالعقل الذي نفاه عن أهل الآية السالفة ،

الصفحة 226