كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 227
والعفو عن المذنب والرحمة لعباد الله ، منادياً بأداة البعد إشارة إلى أن من احتاج إلى التصريح بمثل هذا التنبيه غير مكتف بما أفاده من قواعد الشرع وضع نفسه في محل بعيد ، وتنبيهاً على أن ما في حيزها كلام له خطب عظيم ووقع جسيم : ( يا أيها الذين آمنوا ( وعبر بالفعل الماضي الذي هو لأدنى أسنان القلوب ، وعبر بأداة الشك إيذاناً بقلة الفاسق فيهم وقلة مجيئه إليهم بخبر له وقع ، فقال : ( إن جاءكم ) أي في وقت من الأوقات ) فاسق ) أي خارج من ربقة الديانة أيّ فاسق كان ) بنبأ ) أي خبر يعظم خطبه فيؤثر شراً ، أيّ خير كان مما يكون كذلك ؟ ) فتبينوا ) أي عالجوا البيان وهو فصل الخطأ من الصواب ، استعمالاً لغريزة العقل المنفي عن المنادين واتصافاً بالغفران والرحمة ليرحمكم الله ويغفر لكم ، وهذه القراءة غاية لقراءة حمزة والكسائي بالمثلثة ثم المثناة الفوقية ، والسياق مرشد إلى أن خبر الفاسق كالنمام والساعي بالفساد كما أنه لا يقبل لفذلك لا يرد حتى يمتحن ، وإلى أن خبر العدل لا وقفة فيه ، وإلا لاستوى مع الفاسق ، فالتثبت معلل بالفسق ، فإذا انتفى ولم توجد علة أخرى توجب التثبت وجب القبول ، والمعلق على شيء بكلمة ( إن ) عدم عند عدمه ، والتبين بأحد شيئين : بمراجعة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إن كان حاضراً ، وبمراجعة آثاره من كتاب الله وسنته إلى أن تبين الأمر منهما إن كان غائباً ، فإنه لا تكون أبداً كائنة إلا وفي الكتاب والسنة المخرج منها .
ولما أمر بالتبين ، ذكر علته فقال : ( أن ) أي لأجل كراهة أن ) تصيبوا ) أي بأذى ) قوماً ) أي هم مع قوتهم النافعة لأهل الإسلام براء مما نسب إليهم ) بجهالة ) أي مع الجهل بحال استحاقهم ذلك .
ولما كان الإنسان إذا وضع شيئاً في غير موضعه جديراً بالندم ، سبب عن ذلك قوله : ( فتصبحوا ( اي فتصيروا ، ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل الإنسان صباحاً وقت انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته ) على ما فعلتم ) أي من إصابتهم ) نادمين ) أي عرقين في الأسف على ما فات مما يوقع الله في نفوسكم من أمور ترجف القلوب وتخور الطباع ، وتلك سنته في كل باطل ، فإنه لكونه مزلزلاً في نفسه لا ينشأ عنه إلا الزلزال والندم على ما وقع من تمني أنه لم يقع ، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام بما تدور مادته عليه مما يرشد إليه مدن ودمن ، وهو ينشأ من تضييع أثقال الأسباب التي أمر الإنسان بالسعي فيها كما أشار إليه حدث ( احرص على ما ينفعك ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل : قدر الله وما شاء فعل ، ولا تقل لو أني فعلت كذا ، فإن ) لو ( تفتح عمل الشيطان ) والفاسق المذكور في الآية المراد به الجنس ، والذي نزل ذلك بسببه هو الوليد بن عقبة ، ولم يزل كذلك حتى أن عثمان رضي الله عنه

الصفحة 227