كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 230
ولما كان التقدير : فالله منعم بفضل ، بيده كل ضر ونفع ، عطف عليه قوله : ( والله ) أي المحيط بصفات الكمال ) عليم ) أي محيط العلم ، فهو يعلم أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل ) حكيم ( بالغ الحكمة ، فهو يضع الأشياء في أوفق محالها وأتقنها ، فلذلك وضع نعمته من الرسالة والإيمان على حسب علمه وحكمته .
ولما كانت النميمة ونقل الأخبار الباطلة الذميمة ربما جرت فتناً وأوصلت إلى القتال ، وكان العليم الحكيم لا ينصب سبباً إلا ذكر مسببه وأشار إلى دوائه ، وكان لا ينهى عن الشيء إلا من كان متهيئاً له لما في جبلته من الداعي إليه ، فكان قد يواقعه ولو في وقت ، قال تعالى معلماً لنا طريق الحكمة في دفع ما جرت إليه الأخبار الباطلة من القتال ، معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن ما في حيزها لا ينبغي أن يقع بينهم ، ولا أن يذكروه إلا على سبيل الفرض : ( وإن طائفتين ) أي جماعتان بالفعل أو القوة جدير كل جماعة منهما بأن يجتمع على ما دهمها من الأمير بحيث تصير من شدة مراعاته كالطائفة حوله والمتحلقة به ، بحيث لا يدرى من شدة اجتماعها على ذلك أولها من آخرها ) من المؤمنين ) أي ممن هو معدود في عداد العريقين في الإيمان سواء كان هو عريقاً أو فاعلاً ما يطلق عليه به الاسم فقط .
ولما كانت الشناعة والفساد في قتال الجماعة أكثر ، عبر بضمير الجمع دون التثنية تصويراً لذلك بأقبح صورة فقال : ( اقتتلوا ) أي فاختلطوا بسبب القتال حتى كانوا كالفرقة الواحدة ) فأصلحوا ) أي فأوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح .
ولما كانت العبرة في الصلح إذا وقع بين الطائفتين ما يسكن به الشر وإن تخلف شذان من الجانبين لا يعبأ بهم ، عبر بالتثنية دون الجمع فقال : ( بينهما ) أي بالوعظ والإرشاد الدنيوي والأخروي ، ولا تظنوا أن الباغي غير مؤمن فتجاوزوا فيه أمر الله .
ولما كان البغي من أشنع الأمور فكان ينبغي أن لم يلم به أحد ، عبر بأداة الشك إرشاداً إلى ذلك فقال : ( فإن بغت ) أي أوقعت الإرادة السيئة الكائنة من النفوس التي لا تأمر بخير ) إحداهما ) أي الطائفتين ) على الأخرى ( فلم ترجع إلى حكم الله الذي خرجت عنه ولم تقبل الحق .
ولما كان الإضمار هنا ربما أوهم لبساً فتمسك به متعنت في أمر فساد ، أزال بالإظهار كل لبس فقال : ( فقاتلوا ) أي أوجدوا واطلبوا مقاتلة ) التي ( .
ولما كان القتال لا يجوز إلا بالاستمرار على البغي ، عبر بالمضارع إفهاما لأنه متى زال البغي ولو بالتوبة من غير شوكة حرم القتال فقال : ( تبغي ) أي توقع الإرادة وتصر عليها ، وأديموا القتال لها ) حتى تفيء ) أي ترجع مما صارت إليه من جر القطيعة الذي كأنه حر الشمس حين نسخه الظل إلى ما كانت فيه من البر والخير الذي هو كالظل الذي ينسخ الشمس ، وهو معنى قوله تعالى : ( إلى أمر الله ) أي التزام ما أمر به الملك