كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 236
ولما ذكر سبحانه الأخوة الدينية تذكيراً بالعاطف الموجب للإكرام ، المانع من الانتقام ، ونهى عن أمور يجر إليها الإعجاب بالنفس من جهة التعظيم بالآباء والعراقة في النسب العالي ، أسقط ذلك مبيناً أن لا نسب إلا ما يثمره الإيمان الي بدأ به من التقوى ، وعبر بما يدل على الذبذبة والاضطراب إشارة إلى سفول رتبة من افتخر بالنسب ، وإلى أن من لم يتعظ بما مضى فيعلو عن رتبة الذين آمنوا فقد سفل سفولاً عظيماً : ( يا أيها الناس ) أي كافة المؤمن وغيره ) إنا ( على عظمتنا وقدرتنا ) خلقناكم ) أي أوجدناكم عن العدم على ما أنتم عليه من المقادير في صوركم وما أنتم عليه من التشعب الذي يفوت الحصر ، وأخرجنا كل واحد منكم ) من ذكر ( هو المقصود بالعزم والقوة ) وأنثى ( هي موضع العضف والراحة ، لا مزية لأحد منكم في ذلك على آخر ، ولا فخر في نسب .
ولما كان تفضيلهم إلى فرق لكل منهما تعرف به أمراً باهراً ، عبر فيه بنون العظمة فقال : ( وجعلناكم ) أي بعظمتنا ) شعوباً ( تتشعب من أصل واحد ، جمع شعب بالفتح وهو الطيبقة الأولى من الطبقات الست من طبقات النسب التي عليها العرب ) وقبائل ( تحت الشعوب ، وعمائر تحت القبائل ، وبطوناً تحت العمائر ، وأفخاذاً تحت البطون ، وفصائل تحت الأفخاذ ، والعشائر تحت الفصائل ، خزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصيّ بطن ، وعبد مناف فخذ ، وهاشم فصيلة ، والعباس عشيرة ، قال البغوي : وليس بعد العشيرة حي يوصف به - انتهى .
واقتصر على الأولين لأنهما أقصى ما يسهل على الآدمي معرفته فما دونه أولى ، ثم ذكر علة التشعب ليوقف عندها فقال : ( لتعارفوا ) أي ليعرف الإنسان من يقاربه في النسب ليصل من رحمه ما يحق له ، لا لتواصفوا وتفاخروا .
ولما كانت فائدة التفاخر بالتواصف عندهم الإكرام لمن كان أفخر ، فكانت الآية السالفة التي ترتبت عليها هذه آخرة بالتقوى كان التقدير : فتتقوا الله في أقاربكم وذوي أرحامكم ، فقال مبطلاً للتفاخر بالأنساب معللاً لما أرشد إلى تقديره السياق مؤكداً لأجل ما عندهم من أن الكرم إنما هو بالنسب : ( إن أكرمكم ( أيها المتفاخرون ) عند الله ) أي الملك الذي لا أمر لأحد معه ولا كريم إلا من أكرمكم بكرمه ولا كمال لأحد سواه ) أتقاكم ( فذلك هو الذكر الذي يصح أصله باقتدائه بأبيه آدم عليه السلام فلم يمل إلى الأنوثة وإن كان أدناكم نسباً ولذلك أكده ، وهذا معنى قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ) أي علموا بأن كانت لهم ملكة الفقه فعلموا بما عملوا

الصفحة 236