كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 240
ولما كان هذا عظيماً والثبات عليه أعظم ، وهو عين الحكمة ، أشار إلى عظيم مزية الثبات بقوله : ( ثم ) أي بعد امتطاء هذه الرتبة العظيمة ) لم يرتابوا ) أي ينازعوا الفطرة الأولى في تعمد التسبب إلى الشك ولم يوقعوا الشك في وقت من الأوقات الكائنة بعد الإيمان ، فلا يزال على تطاوله الأمنة وحصول الفتن وصفهم بعد الريب غضاً جديداً ، ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى العفو عن حديث النفس الذي لا يستطيع الإنسان دفع أصله ويكرهه غاية الكراهة ويجتهد في دفعه ، فإذا أنفس المذموم المشي معه والمطاولة منه حتى يستحكم .
ولما ذكر الأمارة الباطنة على وجه جامع لجميع العبادات المالية والبدنية قال : ( وجاهدوا ) أي أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفس فيه تصديقاً لما ادعوه بألسنتهم من الإيمان ) بأموالهم ( وذلك هو العفة ) وأنفسهم ( أعم من النية وغيرها ، وذلك هو الشجاعة ، وقدم الأموال لقلتها في ذلك الزمان عند العرب ) في سبيل الله ) أي طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة إلى المال والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون : شغلتنا أموالنا وأهلونا ، قال القشيري : جعل الله الإيمان مشروطاً بخصال ذكرها ، وذكر بلفظ ( إنما ) وهي للتحقيق ، تقتضي الطرد والعكس ، فمن أفرد الإيمان لا يوجب الأمان لصاحبه فخلافه أولى به .
ولما عرف بهم بذكر أمارتهم على سبيل الحصر ، أنتج ذلك حصراً آخر قطعاً لأطماع المدعين على وجه أثنى عليهم فيه بما تعظم المدحة به عندهم ترغيباً في مثل حالهم فقال : ( أولئك ) أي العالو الرتبة الذين حصل لهم استواء الأخلاق والعدل في الدين بجميع أمهات الأخلاق ) هم ) أي خاصة ) الصادقون ( قالاً وحالاً وفعالاً ، وأما غيرهم فكاذب .
ولما كانوا كأنهم يقولون : نحن كذلك ، أمره ( صلى الله عليه وسلم ) بالإنكار عليهم والتوبيخ لهم دلالة على ما أشار إليه ختام الآية إحاطة علمه الذي تميز به الصادق من غيره من جميع الخلق فقال : ( قل ) أي لهؤلاء الأعراب مجهلاً لهم مبكتاً : ( أتعلمون ) أي أتخبرون إخباراً عظيماً بلغياً ، كأنهم لما آمنوا كان ذلك إعلاماً منهم ، فملا قالوا آمنا كان ذلك تكريراً ، فكان في صورة التعليم ، فبكتهم بذلك ) الله ) أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلماً ) بدينكم ( فلذلك تقولون : آمنا ، ففي ذلك نوع بشرى لهم لأنه أوجد لهم ديناً وأضافه إليهم - قاله ابن برجان .
ولما أنكر عليهم وبكتهم وصل به ما يشهد له فقال : ( والله ) أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء ) يعلم ما في السموات ( كلها على