كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 251
ولما كان من لا ينتفع بالشيء كأنه عادم لذلك الشيء ، قصر الأمر على المنتفع فقال : ( لكل عبد ( يتذكر بما له من النقص وبما دل عليه هذا الصنع من الكمال أنه عبد مربوب لصانعه .
ولما كان الإنسان لما له من النقصان لا يزال كلما أعلاه عقله أسفله طبعه ، فكان ربما ظن أنه لا يقبل إذا رجع ، رغبة في الرجوع بقوله : ( منيب ) أي رجاع عما حطه عنه طبعه إلى ما يعليه إليه عقله ، فيرجع من شهود هذه الأفعال إلى شهود هذه الصفات إلى علم الذات .
ولما كان إنزال الماء أبهر الآيات وأدلها على أنه أجلّ من أن يقال : إنه داخل العالم أو خارجه ، أو متصل به أو منفصل عنه ، مع أن به تكوّن النبات وحصول الأقوات وبه حياة كل شيء ، أفرده تنبيهاً على ذلك فقال : ( ونزلنا ) أي شيئاً فشيئاً في أوقات على سبيل التقاطر وبما يناسب عظمتنا التي لا تضاهى بغيب ، بما له من النقل والنبوع والنفوذ فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فزالت المفقرة وعادت المنفعة مضرة ) من السماء ) أي المحل العالي الذي لا يمسك فيه الماء عن دوام التقاطر إلا بقاهر ) ماء مباركاً ) أي نافعاً جداً ثابتاً لا خيالاً محيطاً بجميع منافعكم .
ولما كان الماء سبباً في تكون الأشياءن وكان ذلك سبباً في انعقاده حتى يصير خشباً وحباً وعنباً ، وغير ذلك عجباً ، قال : ( فأنبتنا ( معبراً بنون العظمة ) به جنات ( من الثمر والشجر والزرع وغيره مما تجمعه البساتين فتجنّ - أي تستر - الداخل فيها .
ولما كان القصب الذي يحصد فيكون حبه قوتاً للحيوان وساقه للبهائم ، خصه بقوله : ( وحب الحصيد ) أي النجم الذي من شأنه أن يحصد من البر والشعير ونحوهما ، وأومأ بالتقييد إلى أن هذه الحبوب أشرف من حب اللآلىء الذي ينبته الله نم المطر لأنها لقيام النبتة ؟ وتلك للزينة ، ولما كان النخل من أعجبه ما يتكون منه مع ما له من المنافع التي لا يساويه فيها شجر ، والطباق للرزع بالطول والقصر والاتساق بالاقتيات للآدميين والبهائم ، قال : ( والنخل باسقات ) أي عاليات طويلاً على جميع الأشجار المثمرة ذوات أثمار طيبة ) لها ( مع يبس ساقها ) طلع نضيد ) أي مصفوف متراكم بعضه فوق بعض ، وهو حشو طلعه ، والطلع ذلك الخارج من أعلى النخلة كأنه فعلان مطبقان ، والحمل النضيد بينهما ، والطرف محدد ، أو الطلع ما يبدو من ثمر النخل أول ظهورها ، وذلك القشر يسمى الكفرى لتعطيته إياه على أحكم مما يكون وأوثق ، والطلع يشبه ما للناقة المبسق من اللبا المتكون في ضرعها قبل النتاج ، ثم يصير بعد اتحاده في البياض وهو كلع إلى الافتراق حال الينوع إلى أحمر وأصفر وأخضر وغير ذلك من الألوان الغريبة ، والأوصاف العجيبة ، وهي محيطة المنافع بالتفكه على عدة أنواع والاقتيات وغير ذلك ، وطلعها مخالف لعادة أكثر الأشجار فإن ثمارها مفردة ، كل حبة منفردة عن أختها .